صلاة الحاجة وما ورد في شأنها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا يوافي نعمه ويكافئ مزيده وأثني عليه بما هو أهله فهو أهل الثناء والحمد وأهل التقوى والمغفرة وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الامة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، اللهم صلى وسلم عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين كما تحب وترضى دائما أبدا سرمدا إلى يوم الدين ثم أما بعد
فقد اختلف أهل العلم في مشروعية صلاة الحاجة ، وهي أنه إذا كان لمسلم حاجة عند الله تعالى أو عند الناس يريد قضاءها أن يصلي ركعتين لله تعالى ثم يدعوا الله أن يقضي حاجته تلك، فذهب السلف من فقهاء الأمة الإسلامية إلى مشروعيتها، واستدلوا على ذلك بحديث فيه ضعف يرويه عبد الله بن أبي أوفى، وذهب أهل الحديث إلى عدم مشروعيتها، بسبب ما ورد فيها من أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة عندهم.
وسبب هذا الاختلاف هو ورود أحاديث ضعيفة في صلاة الحاجة بينما هناك أدلة صحيحة لم ينظر إليها القائلون بعدم الجواز ؟ وإليك تفصيل المسألة وأدلة الفريقين:
فأهل الفقه يرون جواز العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، وأهل الحديث لا يرون ذلك، وبناء عليه حررت هذا البحث الذي جمعت فيه الروايات، وآراء كلا الفريقين وختمته بذكر رأيي في هذه المسألة مستعينا بما ثبت لدي من الدليل.
أقول وبالله التوفيق:
ذهب أهل الحديث ومن تبعهم ممن يسمون بالسلفيين، والظاهرية المحدثين إلى عدم مشروعية صلاة الحاجة واستندوا في ذلك على أن الأدلة الواردة في شأنها كلها ضعيفة، والضعيف لا يعمل به.
آراء علماء السلف المحدثون:
سئلت لجنة الفتوى بالمملكة العربية السعودية عن صلاة الحاجة في الفتوى رقم الفتوى رقم (4193)ما نصه
س: سمعت كثيرًا عن صلاة الحاجة، وصلاة الاستخارة، فكيف تكون هاتان الصلاتان؟ وهل تقرأ سور أو آيات في كل ركعة من ركعاتهما؟ وما هي الأدعية المأثورة فيهما؟
فأجابت بالتالي
أما ما يسمى بصلاة الحاجة: فقد جاءت بأحاديث ضعيفة ومنكرة - فيما نعلم- لا تقوم بها حجة، ولا تصلح لبناء العمل عليها. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
التوقيع :
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو // عضو // نائب رئيس اللجنة // الرئيس //
عبد الله بن قعود // عبد الله بن غديان // عبد الرزاق عفيفي // عبد العزيز بن عبد الله بن باز // الموسوعة الشاملة.
وأجاب الشيخ ابن عثيمين نفس الإجابة كذلك: صلاة الحاجة، الإنسان إذا كان له حاجة صلى ركعتين ثم سأل الله على صفة مخصوصة معروفة، هذه أيضاً ليست صحيحة.
سلسلة لقاءات الباب المفتوح
وأجاب الشيخ ابن عثيمين ثانية ورد على نفسه من غير أن يشعر فاستدل بنص من كتاب الله تعالى على أن الإنسان يستعين بالصلاة على قضاء حوائجه فقال: صلاة الحاجة ليس لها دليل صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه يروى أنه إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة لقوله تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ). الكتاب : فتاوى نور على الدرب للعثيمين
مصدر الكتاب : موقع الشيخ العثيمين
وفي فتاوى الإسلام ورد وما يسمى بصلاة الحاجة : قد ورد في أحاديث ضعيفة
ومنكرة - فيما نعلم - لا تقوم بها حُجّةٌ ولا تَصْلُحُ لبناء العمل عليها .
فتاوى اللجنة الدائمة 8/162 .
الأدلة التي يراها علماء السلف المحدثون ضعيفة لا يصح الاستناد إليها:
الحديث الأول:
ما رواه الترمذي في سننه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَقُلْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ لا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلا غَفَرْتَهُ وَلا هَمًّا إِلا فَرَّجْتَهُ وَلا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ)
قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ فَائِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ وَفَائِدٌ هُوَ أَبُو الْوَرْقَاءِ([1]).
وبهذا يتبين لنا أن هذا الحديث ضعيف ، لا يمكن الاحتجاج به عندهم لما ذكروا من العلة التي فيه.
الحديث الثاني :
وهو من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( اثنتا عشرة ركعة تصليهن من ليل أو نهار وتتشهد بين كل ركعتين ، فإذا تشهدت من آخر صلاتك فأثنِ على الله ، وصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم ، واقرأ وأنت ساجد فاتحة الكتاب سبع مرات ، وقل : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات ،ثم قل : اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك واسمك الأعظم وحدك الأعلى وكلماتك التامة، ثم سل حاجتك، ثم ارفع رأسك، ثم سلم يمينا وشمالا، ولا تعلموها السفهاء فأنتم تدعون بها فيستجاب)([2]).
الحديث الثالث :
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( جاءني جبريل عليه السلام بدعوات فقال : إذا نزل بك أمر من أمر دنياك فقدمهن ثم سل حاجتك : يا بديع السموات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا صريخ المستصرخين ، يا غياث المستغيثين ، يا كاشف السوء ، يا أرحم الراحمين ، يا مجيب دعوة المضطرين ، يا إله العالمين ، بك أنزل حاجتي وأنت أعلم بها فاقضها)([3]) .
وأما الحديث الرابع فهو :
عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يا علي، ألا أعلمك دعاء إذا أصابك غم أو هم تدعو به ربك فيستجاب لك بإذن الله ، ويفرج عنك؟ توضأ وصل ركعتين واحمد الله وأثن عليه ، وصل على نبيك ، واستغفر لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات ، ثم قل : اللهم أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، لا إله إلا الله العلي العظيم ، لا إله إلا الله الحليم الكريم ، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم ، الحمد لله رب العالمين ، اللهم كاشف الغم ، مفرج الهم ، مجيب دعوة المضطرين إذا دعوك ، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ، فارحمني في حاجتي هذه بقضائها ونجاحها رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك) ([4]).
هذه أربع روايات من الأحاديث رأى أهل الحديث أنها روايات ضعيفة لما ذكر فيها من علل تجعلها غير مقبولة لتكون دليلا شرعيا على عدم جواز صلاة الحاجة.
آراء الفقهاء في مشروعية صلاة الحاجة
ولقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن صلاة الحاجة صلاة مشروعة، بل ذكر بعضهم أنها مستحبة، ونصوا على ذلك في كتبهم ومنهم الأحناف([5]) والشافعية([6]) والحنابلة ([7]).
واستندوا في ذلك على ما أخرجه الترمذي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين، ثم ليثن على الله تعالى، وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين.أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين) ([8]).
أقوال الفقهاء في صلاة الحاجة:
كما ذكرت ابتداء أن جمهور فقهاء أهل السنة والجماعة يرون مشروعية صلاة الحاجة، ونصوا على ذلك في كتبهم ، ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة وإليك أقوالهم رحمة الله عليهم:
آراء فقهاء الأحناف
قال ابن عابدين في حاشية رد المحتار:
مطلب في صلاة الحاجة قوله: (وأربع: صلاة الحاجة الخ) قال الشيخ إسماعيل: ومن المندوبات صلاة الحاجة، ذكرها في التجنيس والملتقط وخزانة الفتاوى وكثير من الفتاوى والحاوي وشر المنية.
قال في الحاوي فذكر أنها ثنتا عشرة ركعة، وبين كيفيتها بما فيه كلام. وأما في التجنيس وغيره، فذكر أنها أربع ركعات بعد العشاء، وأن في الحديث المرفوع يقرأ في الاولى الفاتحة مرة وآية الكرسي ثلاثا، وفي كل من الثلاثة الباقي يقرأ الفاتحة والاخلاص والمعوذتين مرة مرة: كن له مثلهن من ليلة القدر قال مشايخنا: صلينا هذه الصلاة فقضيت حوائجنا.
مذكور في الملتقط والتجنيس وكثير من الفتاوى، كذا في خزانة الفتاوى([9]).
وأما في شرح المنية فذكر أنها ركعتان، والأحاديث فيها مذكورة في الترغيب والترهيب كما في البحر.
وأخرج الترمذي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله (ص) من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين، ثم ليثن على الله تعالى، وليصل على النبي (ص)، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين.
أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين) ا ه أقول: وقد عقد في آخر الحلية فصلا مستقلا لصلاة الحاجة، وذكر ما فيها من الكيفيات والروايات والادعية، وأطال وأطاب كما هو عادته رحمه الله تعالى، فليراجعه من أراده([10]).
وقال ابن نجيم : وَمِنْ الْمَنْدُوبَاتِ صَلَاةُ الْحَاجَةِ وَهِيَ رَكْعَتَانِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي([11])..
فقه الشافعية
وممن رأى مشروعيتها من فقهاء الشافعية الإمام النووي وزكريا الانصاري وغيرهما
قال الإمام النووي رحمه الله في التطوع الذي لا يسن له الجماعة قال :
ومن التطوع الذي لا يسن له الجماعة.... ومنه ركعتا صلاة الحاجة والله أعلم([12]).
وأقر مشروعيتها زكريا الأنصاري وقال أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَنْصَارِيُّ الشَّافِعِيُّ صَلاةِ الْحَاجَةِ فَإِنَّهَا وَإِنْ ضَعُفَ حَدِيثُهَا لا تَغْيِيرَ فِيهَا فَلا تُكْرَهُ([13]).
وكذلك نص على مشروعيتها في المجموع وعدها من ضمن صلوات التطوع فقال)في مسائل تتعلق بباب صلاة التطوع فقال (السادسة) في صلاة الحاجة([14])..
ذكر بعض ما ورد في كتب الحنابلة
وذكرها ابن قدامه في المغني بأنها إحدى صلوات التطوع فقال
وقال ابن مفلح من الحنابلة وَيُسْتَحَبُّ صَلاةُ الْحَاجَةِ إلَى اللَّهِ أَوْ إلَى آدَمِيٍّ ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ ، لِخَبَرِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَفِيهِ ضَعْفٌ([16]).
وجاء في فقه السنة في شأن صلاة الحاجة :
روى أحمد بسند صحيح عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين يتمهما أعطاه الله ما سأل معجلا أو مؤخرا)([17]).
ولا يرى الفقهاء أن هذا الحديث من الموضوعات إنما حديث فيه ضعف، والحديث الضعيف يجوز العمل به في فضائل الأعمال.
رأي الباحث :
بعد البحث والاستقصاء وجدت أن هناك نصوص صحيحة تقوي صحة مشروعية صلاة الحاجة منها ما هو عام ومنها ما هو خاص:
فأما النص العام فهو قول الله تعالى { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}([18]).
وقوله سبحانه وتعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}([19]).
ففي الآية دلالة عامة على أن الله تعالى قد أمرنا أن نستعين بالصبر وبالصلاة في حياتنا لتتيسر أمورنا وتقضى حوائجنا فإن لأداء العبادة على وجهها والتقرب إلى الله تعالى بالنوافل بالعبادات طريق إلى تيسير أمورنا جميعها ومصداق ذلك قوله سبحان وتعالى في الحديث القدسي : ( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)([20]).
ومكان الشاهد قوله عليه الصلاة والسلام : (وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ )، ومن النوافل الصلوات التي قبل الفرائض وبعدها وما بينه صلى الله عليه وسلم ، ومنها صلاة الحاجة هذه، فصلاة الحاجة هي إحدى صلوات النوافل المشروعة.
آراء المفسرين في معنى الآية الكريمة
قال الإمام ابن كثير:
يقول تعالى آمرًا عبيده، فيما يؤمّلون من خير الدنيا والآخرة، بالاستعانة بالصبر والصلاة،([21]).
ثم قال :
وأما قوله: { وَالصَّلاةِ } فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر،([22]).
وروى الإمام أحمد: عن حذيفة، يعني ابن اليمان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى([23]). ورواه أبو داود [عن محمد بن عيسى عن يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار كما سيأتي .
وعن حذيفة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة([24]).
وعن عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمع حارثة بن مضرب سمع عليا يقول: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو حتى أصبح([25]).
قال ابن جرير: وروي عنه، عليه الصلاة والسلام، أنه مر بأبي هريرة، وهو منبطح على بطنه، فقال له: "اشكنب درد" [قال: نعم] قال: "قم فصل فإن الصلاة شفاء" [ومعناه: أيوجعك بطنك؟ قال: نعم] .
قال ابن جرير: وقد حدثنا محمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم، قالا حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا عُيَينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن ابن عباس نُعي إليه أخوه قُثَم وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحَّى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ }([26])..
قال الألوسي في تفسيره :
وأما الاستعانة بالصلاة فلما فيها من أنواع العبادة ، ما يقرب إلى الله تعالى قرباً يقتضي الفوز بالمطلوب والعروج إلى المحبوب ، وناهيك من عبادة تكرر في اليوم والليلة خمس مرات يناجي فيها العبد علام الغيوب ، ويغسل بها العاصي درن العيوب ، ([27]).
قال الزمخشري :
ومنه قوله تعالى : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا } ([28]).أو : واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها ([29]).
فمن عموم آراء المفسرين نفهم أن الصلاة لها دور في تخفيف البلاء ، والقبول بالرضا لما وقع ، وأن في الاستعانة بالصلاة الفوز بالمطلوب وقضاء الحوائج وشفاء المرضى كما في أمر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة أن يقوم إلى الصلاة من أجل شفاء بطنه .
فهذه نصوص عامة في مشروعية الصلاة لقضاء الحاجة أيا كان نوعها ، وهناك أحاديث خاصة تفيد مشروعية صلاة الحاجة ومنها :
الدليل الأول : عن يوسف ابن عبد الله بن سلام قال أتيت أبا الدرداء في مرضه الذي قبض فيه فقال: يا ابن أخي ما أعملك إلى هذا البلد أو ما جاء بك؟ قال قلت: لا، إلا صلة ما كان بينك وبين والدي عبد الله بن سلام، فقال: بئس ساعة الكذب هذه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام فصلى ركعتين أو أربعا شك سهل.يحسن فيهما الركوع والخشوع ثم استغفر الله غفر له).رواه أحمد والطبراني في الكبير إلا أنه قال ثم قام فصلى ركعتين أو أربعا مكتوبة أو غير مكتوبة يحسن فيها الركوع والسجود، وإسناده حسن([30]).
فقد تبين لنا من هذه الرواية أن هناك صلاة هي صلاة الحاجة ، من أجل طلب المغفرة والرحمة من الله تعالى.
الدليل الثاني : وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يُعَافِيَنِي، فَقَالَ:( إِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ لَكَ وَهُوَ خَيْرٌ وَإِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، فَقَالَ: ادْعُهْ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي قَدْ تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ) ([31]).قَالَ أَبُو إِسْحَقَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وقصة هذا الأعمى ثابتة صحيحة وقد دله رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما به تقضى حاجته وهي عودة بصره عن طريق الصلاة.
الدليل الثالث: عن عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي وتذكر حاجتك ، ورح إلي حين أروح معك فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له.
ثم قال له إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:( ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الكلمات) فقال عثمان بن حنيف فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل عليه الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط.قلت روى الترمذي وابن ماجة طرفاً من آخره خالياً عن القص، وقد قال الطبراني عقبه والحديث صحيح بعد ذكر طرقه التي روى بها([32]).
واستدل بهذه الروايات فضيلة الشيخ عطية صقر المفتي بلجنة الفتوى بجامع الازهر الشريف ([33]).
فمما تقدم من الأدلة يتبين لك مشروعية صلاة الحاجة وثبوتها في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة ذلك الصحابي الأعمى الذي ذكرنا قصته مما يؤكد مشروعيتها خلافا لما ذهب إليه علماء السلف المحدثون، إذ أقر صحتها علماء السلف الأوائل ، وثبتت مشروعيتها بالدليل الواضح الذي لا لبس فيه.وفعلها الصحابة والتابعون رضي الله عنهم.
وسبب اعتماد فقهاء الأمة السلف على مشروعيتها رغم ضعف الأدلة التي استندوا إليها قول علماء الحديث جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ، ما لم يصادم نصا صحيحا ورد فيه نهي عن ذلك ، وحيث لم يرد دليل على النهي فالعمل باالحديث الضعيف جائز والله أعلم.
قال الكشميري : صلاة الحاجة ركعتان بلا تعيين السور والحديث قوي ، والدعاء المذكور في الحديث يأتي به بعد الصلاة ، فإن الحاجة عامة من كونها متعلقة بالله أو بالناس ، والدعاء الذي يتعلق بالناس مفسد للصلاة عندنا ، ووقع في بعض الروايات أنه يذكر الحاجة في الدعاء باللسان([34]).
دعاء صلاة الحاجة مستخلص من جملة ما ذكر من الروايات
اتفق كثير من الفقهاء على أن صلاة الحاجة مستحبة وأنها تكون عندما تعرض للإنسان حاجة من حوائج الدنيا المشروعة فيستحب له أن يتوضأ ويصلي ركعتين لله تعالى ، ويسأل الله جل وعلا حاجته ، فإن فعل ذلك مؤمناً بقدرة الله عز وجل ، فأرجو أن يحقق الله له ما أراد([35]).
وورد في فتاوى الشبكة الإسلامية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فلا توجد في الشرع صلاة تسمى "صلاة شفاء المريض" ولكن يمكن لمن أراد قضاء حاجته أن يصلي صلاة الحاجة، وهي صلاة مشروعة في الجملة، يطلب فيها المصلي ما شاء من خيري الدنيا والآخرة ، فقد ورد في بعض طرق الأحاديث الواردة في مشروعيتها: ثم يسأل الله من أمر الدنيا والآخرة ما شاء فإنه يقدر. رواه ابن ماجه، ([36]).
كما يشرع لمن نزل به بلاء أن يدعو لنفسه ولغيره، لأن الدعاء يدفع البلاء ويكشف البأساء والضراء، قال تعالى:{ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}([37]).
وقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}([38]). وقد شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم للمريض الرقية بالأدعية والأذكار المسنونة، على ما بيناه في الفتوى رقم:
5071 ، والفتوى رقم: 27244 . المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه.
مما تقدم يتبين لنا مشروعية صلاة الحاجة، وطريقتها كما بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يصلي المسلم ركعتين لله تعالى من غير صلاة الفريضة ثم يدعو بالدعاء الوارد الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابي الضرير ثم يتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم فيستجاب له إن شاء الله بشروط وليس على إطلاقها بأن يكون المطلوب مشروعا، وأن يخلص الدعاء والتوجه إلى الله تعالى والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه
د. أحمد محمود آل محمود
استاذ متقاعد من جامعة البحرين
- [1] سنن الترمذي:2 /296، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 1/ 399 وقال السيوطي في جمع الجوامع أخرجه ابن عساكر (5/415) .. قال أحمد بن حنبل: فائد متروك الحديث. = يتبع
وقال يحيى ليس بثقة.وقال الرازي: ذاهب الحديث.وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به.
الألباني رحمه الله في " ضعيف الترغيب " ( 417 ) وقال : إسناده مظلم ، فيه من لا يُعرف ، وانظر " السلسلة الضعيفة "( 5287 وذكر الشيخ الألباني - رحمه الله - في " ضعيف الترغيب " ( 419 ) و " السلسلة الضعيفة " ( 5298 ) أنه موضوع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق