الاثنين، 19 أكتوبر 2015

المحكم والمتشابه الحلقة الثالثة



حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات

 

   ولقد آن لنا الآن أن نعرف ما ورد في آيات الصفات لله تعالى من أقوال وآراء لنرى هل هي من المحكم أم من المتشابه ؟ .

اختلاف الناس في الوارد من الآيات والأحاديث على ثلاث فرق :

أحدها : أنه لا مدخل للتأويل فيها ، بل تجرى على ظاهرها ، ولا يؤول شيء منها وهم المشبهة .
ثانيها : أن لها تأويلا ولكننا نمسك  عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه والتعطيل ، ونقول لا يعلمه إلا الله ، وهو قول السلف .
ثالثها : أنها مؤولة ، وأولوها على ما يليق  وهو كذلك رأي بعض السلف .

        قال الزركشي : والأول باطل . والأخيران منقولان عن الصحابة . فنقل الإمساك عن أم سلمة وعن الإمام مالك وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، وابن راهويه ، والغزالي .

        قال ابن الصلاح : وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها واختاره أئمة الفقهاء وقادتها ، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين يصدف عنها ويأباها .

        ثم قال الزركشي وممن نقل عنه التأويل علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم . وهو اختيار ابن برهان من الأشعرية .

  قال : وإنما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته لقيام الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى ، والخوض في كل هذه  الأمور خطر عظيم ([1]).

أقوال العلماء والسلف في آيات اليد واليدين والأيدي

ومن المستحسن أن نضرب الأمثلة لما ورد في القرآن الكريم من الآيات الكريمة التي يصدق عليها أنها من المتشابه الذي يجدر بالمسلم أن يؤمن به ويقول كما أمره الله تعالى آمنا به كل من عند ربنا ، ولو أول المعنى كما أول السلف فلا حرج عليه ، ولا يكن من الذين في قلوبهم زيغ والذين يتبعون ما تشابه من الكتاب ، أو من الذين يشبهون الخالق بالمخلوقات كما يفهمون ثم يزعمون أن قولهم هذا من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تجسيم ، وهم من حيث لا يشعرون يزرعون الفتنة بين الناس ، فيسعون في الأرض فسادا بتمزيق وحدة المسلمين وتشتيت صفوفهم ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فيدخلون في مناقشات في المسائل الاعتقادية التي سبق أن اختلف فيها العلماء من السلف ولم يتفقوا على قول واحد ، لكنهم مع ذلك لم يقتل بعضهم بعضا ولم يفسق أحدهم الآخر ولم يبدعه كما يفعل الكثيرون اليوم . ولو وكلوا علمها إلى الله لكان أسلم لهم وللعامة  من الخوض فيما لا علم لهم به وما لم يطالبوا بالبحث فيه لأراحوا واستراحوا . 

فمن تلك الآيات ما يتعلق باليد واليدين والأيدي الواردة في الآيات الكريمة من كتاب الله جل جلاله ، وهذه أقوال أهل العلم أوردها بين يديك .

أقوال العلماء في المراد باليد :

قال الله تعالى:  
{ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً }([2]).

قبل الخوض في آراء المفسرين من علماء السلف في معنى اليد نود الرجوع إلى علماء اللغة العربية لنتعرف على معاني اليد ، قال  صاحب القاموس المحيط  واليَدُ: الجاهُ، والوَقارُ، والحَجْرُ على مَنْ يَسْتَحِقُّهُ، ومَنْعُ الظُّلْمِ، والطَّريقُ، وبِلادُ اليَمَنِ، والقُوَّةُ، والقُدْرَةُ، والسُّلْطانُ، والمِلْكُ، بكسرِ الميمِ، والجَمَاعَةُ، والأكْلُ، والنَّدَمُ، والغِياثُ، والاسْتِلامُ، والذُّلُّ، والنِّعمَةُ، والإحْسانُ تَصْطَنِعُهُ ([3])

أما اليد في هذه الآية فقد اختلف فيها أهل التأويل إلى مذاهب شتى قال القرطبي عليه رحمة الله تعالى  : { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } قيل: يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء، ويده في المِنّة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة.

وقال الكلبيّ([4]): معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البَيعة. وقال ابن كَيْسان:  ([5]) قوّة الله ونصرته فوق قوّتهم ونصرتهم.

وقال الطبري : وفي قوله: ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ) وجهان من التأويل: أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه صلى الله عليه وسلم والآخر: قوّة الله فوق قوّتهم في نُصرة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنهم إنما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نُصرته على العدوّ.

قال الرازي ([6]) قوله تعالى : (( يد الله فوق أيديهم )) يحتمل وجوها ، وذلك أن اليد في الموضعين إما أن تكون بمعنى واحد ، وإما أن تكون بمعنيين ، فإن قلنا إنها بمعنى واحد ففيه وجهان أحدهما : يد الله بمعنى نعمة الله عليهم فوق إحسانهم إلى الله ، وثانيهما : أي نصرته إياهم أقوى وأعلى من نصرتهم إياه .

وأما إن قلنا إنها بمعنيين ، فنقول في حق الله تعالى بمعنى الحفظ ، وفي حق المبايعين بمعنى الجارحة ، واليد كناية عن الحفظ مأخوذ من المتبايعين إذا مد كل واحد منهما يده إلى صاحبه في البيع والشراء وبينهما ثالث متوسط لا يريد أن يتفاسخا العقد من غير إتمام البيع ، فيضع يده على يديهما ، ويحفظ أيديهما إلى أن يتم العقد ولا يترك أحدهما  يد الآخر ، فوضع اليد فوق الأيدي صار سببا للحفظ على البيعة . ([7]) 

قال ابن تيمية : ومعلوم أن يد النبيّ صلى الله عليه وسلم كانت مع أيديهم كانوا يصافحونه ويصفقون على يده في البيعة، فعلم أن يد الله التي فوق أيديهم ليست هي  يد النبيّ صلى الله عليه وسلم ولكن الرسول عبد الله ورسوله فبايعهم عن الله وعاهدهم وعاقدهم عن الله، فالذين بايعوه بايعوا الله الذي أرسله  وأمره ببيعتهم، ألا ترى أن كل من وكل شخصاً بعقد مع الوكيل كان ذلك عقداً مع الموكل ومن وكل نائباً له في معاهدة قوم فعاهدهم عن مستنيبه كانوا معاهدين لمستنيبه، ومن وكل رجلاً في نكاح أو تزوج كان الموكل هو الزوج الذي وقع له العقد؟([8])

فورد تفسير اليد بمعنى :
1-   القوة
2-   وبمعنى النعمة
3-   وبمعنى العطاء
4-   وبمعنى الثواب
5-   وبمعنى الهداية .
6-   وبمعنى النصرة .
7-   وبمعنى الحفظ

وكل هذه التفسيرات ليست خارجة عن علوم اللغة العربية لأن لليد معاني متعدده ذكرها أهل اللغة كما بينا سابقا .

فمما تقدم يتبين لك أن لليد معاني كثيرة ولا تحمل اليد على معنى من هذه المعاني إلا إذا كان السياق يوافق ذلك المعنى ولهذا فإن حملها على القوة أو القدرة والنعمة يوافق اللغة ويوافق العقل أيضا كما يوافق النص القرآني القائل : {  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ }([9]) كذلك الحال فيما سيأتي في معاني الاستواء والعين وغيرها .




[1] - أنظر : الزركشي-  البرهان في علوم القرآن  : 2/78-80
[2] - الفتح /10
[3] - القاموس المحيط - ( اليد ) ب الدال فصل الياء .
[4] -  محمد بن السائب بن بشر الكلبي،  أبو النضر الكوفي، النسابة المفسر، متهم بالكذب ورُمي بالرّفض، من السادسة، مات سنة  ست وأربعين. تقريب التهذيب : 1/479 .
[5]- وَهْبُ بنُ كَيْسَان القُرَشِي، مَوْلَى  آلِ الزُّبَـيْر،  أبو نُعَيْم المَدَنِي المُعَلّم المَكِّيّ وقال  النسائي:  ثقة.  وذكره ابن حبان في «الثقات».  وقال  ابن سعد: قال محمَّد بن عمر: لم يكن له فتوى وكان محدثاً ثقة. انظر : تهذيب التهذيب 11: /146 .
[6] - محمد بن عمر  الرازي صاحب التفسير المسمى مفاتيح الغيب طبقات المحدثين :1/187
[7] - الرازي التفسير الكبير : 28/87 .
[8] - مؤلفات ابن تيمية - الحلول الخاص 6\202
[9] -   الشورى : /11

الخميس، 15 أكتوبر 2015

المحكم والمتشابه (الحلقة الثانية)


المحكم المتشابه ( الحلقة الثانية)

لأجل إعطاء حكم ما على قضية ما فيلزم التعريف بها أولا ، وحيث إن هذين المصطلحين ينبني عليهما قضايا شائكة عند الدخول فيهما دون وعي أو روية فكان لا بد  من بيان معنييهما .

تعريف المحكم والمتشابه

يحسن بنا في البداية أن نعرف معنى المحكم والمتشابه لغة واصطلاحا فالمحكم من أصل حكم  والـمُـحْكَمُ الذي لا اختلاف فـيه ولا اضطراب،  أُحْكِمَ فهو  مُـحْكَمٌ.([1])

وسُورَةٌ مُحْكَمَةٌ: غَيْرُ مَنْسوخَةٍ. والآياتُ المُحْكَماتُ مثل قوله تعالى: { قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ }([2]) إلى آخِرِ الآية ، أو التي أُحْكِمَتْ فلا يَحْتاجُ سامِعُها إلى تأوِيلِها لِبيانِها، كأَقاصِيصِ الأَنْبِياءِ([3]).

قال ابن منظور([4]):الـمُـحْكَمُ الذي لا اختلاف فـيه ولا اضطراب ،  أُحْكِمَ فهو  مُـحْكَمٌ. وفـي حديث ابن عباس: قرأْت  الـمُـحْكَمَ علـى عَهْدِ رسول اللَّه، صلّـى اللَّه علـيه وسلّـم([5])؛ يريد الـمُفَصَّلَ من القرآن لأَنه لـم يُنْسَخْ منه شيء، وقـيل: هو ما لـم يكن متشابهاً لأَنه أُحْكِمَ بـيانُه بنفسه ولـم يفتقر إِلـى غيره ([6]). 

قال الزركشي : فأما المحكم فأصله لغة المنع ، تقول : أحكمت بمعنى رددت ، والحاكم لمنعه الظالم من  الظلم ، حكمة اللجام هي التي تمنع الفرس من الاضطراب .([7])

وأما المتشابه فهو من  :   الشِّبْهُ والشَّبَهُ ، والجمع : أشْباهُ. وتَشَابَهَا واشْتَبَها: أَشْبَهَ كُلٌّ منهما الآخَرَ حتى الْتَبَس . و الـمُشْتَبِهَات من الأُمور: الـمُشْكِلاتُ: و الـمُتشابِهَاتُ: الـمُتَماثِلات.


وأُمورٌ مُشْتَبِهَةٌ ومُشَبَّهَةٌ، كَمُعْظَّمَةٍ: مُشْكِلَةٌ. والشُّبْهَةُ، بالضم: الالْتَبِاس، والمِثْلُ. وشُبِّهَ عليه الأَمْرُ تَشْبيهاً: لُبِّسَ عليه.([8]) و شَبَّهَ علـيه: خَـلَّطَ علـيه الأَمر حتـى  اشْتَبَه بغيره. ([9])

قال الزركشي : أما المتشابه فأصله أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعاني ، ويقال للغامض متشابه لأن جهة الشبه فيه ، والمتشابه مثل المشكل لأنه أشكل و دخل في شكل غير شكله .([10])

وأما معناه في الاصطلاح فقد ورد في كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر بأن المُتَشَابه: ما لم يُتَلَقَّ معناه من لَفْظِه.

وهو على ضربين: أحدُهُما إذا رُدَّ إلى المُحْكَم عُرِف معناه، والآخر ما لا سبيل إلى معرفة حقيقته. فالمُتَتَبِّع له مُبْتَغ لِلْفتنَة، لأنه لا يكادُ ينتهي إلى شيءٍ تسكن نَفْسُه إليه.([11])

وفـي حديث حذيفة([12]): وذكر فتنةً فقال: ( تُشَبِّهُ مُقْبِلَةً وتُبَـيِّنُ مُدْبِرَةً؛)([13]) قال شمر([14]): معناه أَنَّ الفتنة إِذا أَقْبلت  شَبَّهَتْ علـى القوم وأَرَتْهُم أنهم علـى الـحق حتـى يدخـلوا فـيها ويَرْكَبُوا منها ما لا يحل، فإِذا أَدْبرت وانقضت بانَ أَمرها، فعَلِـمَ مَنْ دخـل فـيها إِنه كان علـى الـخطأ .

 فالـمُـحْكَمُ في اللغة : الذي لا اختلاف فـيه ولا اضطراب، وما لا يحتمل الوجوه وعُرف بنفسه.([15])

والمتشابه: ما احتمل الوجوه فلم يعرف بنفسه. أو ما لم يُتَلَقَّ معناه من لَفْظِه.


المحكم والمتشابه عند المفسرين :

وللمفسرين في المحكم والمتشابه المشار إليه في قول الله تعالى  : {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ }([16]) أقوال كثيرة منها :

قول جابر بن عبد الله([17])، وهو مقتضى قول الشعبي([18]) وسفيان الثوري)([19]) وغيرهما: المحكمات من آي القرآن ما عرِف تأويله وفهم معناه وتفسيره. والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل ، مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه. وذلك مِثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور.

قال القرطبي ([20]): والمراد بالمحكم ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحداً. وقيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوها.([21])

وقال محمد بن جعفر بن الزبير([22]): المحكمات هي التي فيها حجة الرب،  وعصمة العباد ودفع الخُصُوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه. والمتشابهات لهنّ تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهنّ العباد؛ قال ابن عطية([23]): وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية.

 قال النحاس([24]) : أحسن ما قيل في المحكمات، والمتشابهات أنّ المحكمات ما كان قائماً بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره؛ نحو  { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ[-1] }([25]) { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ} ([26]) والمتشابهات نحو  { إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً}([27])    يرجع فيه إلى قوله جل وعلا:  { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ }([28])   وإلى قوله عز وجل؛  { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } ([29])

قال الطبري : وأما قوله: { مِنْهُ آيَاتٌ مُـحْكَمَاتٌ } فإنه يعنـي من الكتاب آيات، يعنـي بـالآيات آيات القرآن. وأما الـمـحكمات: فإنهنّ اللواتـي قد أحكمن بـالبـيان والتفصيـل، وأثبتت حججهن وأدلتهن علـى ما جعلن أدلة علـيه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعبر، وما أشبه ذلك. ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الآيات الـمـحكمات بأنهنّ هنّ أمّ الكتاب، يعنـي بذلك أنهنّ أصل الكتاب الذي فـيه عماد الدين والفرائض والـحدود، وسائر ما بـالـخـلق إلـيه الـحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض فـي عاجلهم وآجلهم. وإنـما سماهنّ أم الكتاب، لأنهنّ معظم الكتاب، وموضع مفزع أهله عند الـحاجة إلـيه.([30])

وقال آخرون: الـمـحكمات من آي الكتاب: ما لـم يحتـمل من التأويـل غير وجه واحد؛ والـمتشابه منها: ما احتـمل من التأويـل أوجها. وهو قول مـحمد بن جعفر بن الزبـير ([31]) قال الله تعالى : {هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَـيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُـحْكَمَاتٌ} فـيهن حجة الربّ، وعصمة العبـاد، ودفع الـخصوم والبـاطل، لـيس لها تصريف ولا تـحريف عما وضعت علـيه. وأُخر متشابهة فـي الصدق، لهنّ تصريف وتـحريف وتأويـل، ابتلـى الله فـيهنّ العبـاد كما ابتلاهم فـي الـحلال والـحرام، لا يصرفن إلـى البـاطل ولا يحرّفن عن الـحقّ. ([32])

الخلاصة :

فالمحكمات من الآيات في القرآن الكريم عند المفسرين : اللواتـي قد أحكمن بـالبـيان والتفصيـل، وأثبتت حججهن وأدلتهن علـى ما جعلن أدلة علـيه . أو هن : التي فيها حجة الرب،  وعصمة العباد ودفع الخُصُوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه ، أو ما عرِف تأويله وفهم معناه وتفسيره.

والمتشابهات من الآيات في القرآن . ما  لهنّ تصريف وتـحريف وتأويـل، أو هن ما احتـمل من التأويـل أوجها ، أو هي  ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل ، مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه ،أو  ما لم يكن قائماً بنفسه  ويحتاج أن يرجع فيه إلى غيره.

وعلى هذا فإن القرآن الكريم على أربعة أوجه :
1 - حلال وحرام وهذا من المحكم الذي يعرفه جميع الناس وهو من لا يسع الناس جهالته لوضوحه وبيانه .
2 وقسم تعرفه العرب دون سواهم ممن لا يعرف اللغة العربية كالأعاجم ممن لا يعلم علوم اللغة  ومعانيها ومبانيها .
3 وقسم يعلمه الراسخون في العلم .
4 وقسم تأويله لا يعلمه إلا الله تعالى كما ورد في قوله الله تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ }([33]). 



[1]  - ابن منظور - لسان العرب  ( حكم ) :2/952
[2]  - الأنعام /151 .
[3] - القاموس المحيط ( الحكم )
[4] - محمد بن مكرم بن علي بن أحمد بن أبي القاسم بن منظور ، ولد بالقاهرة سنة 630 هـ /1232 م وتوفي 711هـ /1311م أنظر مقدمة لسان العرب للمحققين .
[5] - فتح البارئ : 9/84 .
[6]  - لسان العرب ( حكم ) أنظر  : 2/952
[7] - البرهان في علوم القرآن  - الزركشي : 2/68 وانظر : مناهل العرفان - الزرقاني : 2/166
[8] - القاموس المحيط ( ش) ( الشِّبْهُ ) .
[9]  - لسان العرب  ( شبه ) :4/2190 .
[10]  - الزركشي : البرهان : 2/69 .
[11] -  النهاية في غريب الحديث والأثر ( شبه ) . 2/442
[12] -  حذيفة بن اليَمان حليف الأنصار،  صحابـي جليل من السابقين . أنظر : تقريب التهذيب 1/154
[13] - وتمامه عن حذيفة قال: ( إياك والفتن لا يشخص لها أحد فوالله ما شخص منها أحد إلا نسفته كما ينسف السيل الدمن ، إنها مشبهة مقبلة حتى يقول الجاهل هذه   تشبه مقبلة  وتتبين مدبرة ، فإذا رأيتموها فاجتمعوا في بيوتكم واكسروا سيوفكم وقطعوا أوتاركم وغطوا وجوهكم ) قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. المستدرك على الصحيحين ، 4/495 .
[14]  لعله  شِمْرُ بنُ عَطِيَّة  الأسَدِي  الكَاهِلِي  الكُوْفِي. وقال  النَّسائي:  ثقة.  وذكره  ابنُ حِبَّان في كتاب «الثِّقات». تهذيب الكمال  - المزي ترجمة (3101) قال ابن حجر : صدوق، من السادسة. تقريب التهذيب : 1/268 .
[15] - أنظر : غريب الحديث ( حكم ). 1/419 .
[16] - آل عمران / 7 .
[17]  -  جَابِرٍ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْروٍ بنِ حَرَامٍ. الأنْصَارِي،  الخَزْرَجِي،  السَّلَمِي،  أبُو عَبْدِ اللَّه، صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابنُ صاحبه. أنظر : المزي -  تهذيب الكمال ، 4/443  .
[18]  - عَامِرُ بنُ شَرَاحِيْل، وقيل: ابنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شَرَاحِيْل .أنظر : المزي تهذيب الكمال في أسماء الرجال : 14/28 
[19] - سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري،  أبو عبد الله الكوفي أنظر : ابن حجر - تقريب التهذيب :1/244.
[20]  - محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري الخزرجي الأندلسيّ ثم القرطبي، ( 671هـ) أنظر : مقدمة الجامع لأحكام القرآن .
[21] - الجامع لأحكام القرآن : 4/10 .
[22]  -  محمد بن جعفر بن الزبـير بن العوام الأسدي،  المدني،  ثقة، من السادسة، مات سنة بضع  عشرة ومائة. ابن حجر تقريب التهذيب  :1/471   .
[23]  - عبد الحق بن غالب بن عبد  الرحمن بن غالب بن عطية أبو محمد الغرناطي المالكي ، عالم مشارك في الفقه و الحديث والتفسير والنحو واللغة والأدب . انظر : كحالة معجم المؤلفين : 5 /93
[24] - احمد بن محمد بن اسماعيل النحاس صاحب كتاب اعراب القرآن ، ذكرت ترجمته في كتاب ذيل مولد العلماء :1/104 .
[25] -الإخلاص/ 4 .
[26] - طه/ 82 .
[27] - الزمر/ 53 .
[28] - طه/ 82 .
[29] - النساء / 48 .
[30] - تفسير الطبري جامع البيان ، :3/170 .
[31] - تهذيب التهذيب : 9/81 .
[32] - تفسير الطبري جامع البيان :3/174 .
[33] - لقمان /34 .