الآية الرابعة ( مكانة الصحابة في القرآن الكريم 4)
المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم وأعد لهم جناته :
مكانة الصحابة الكرام عند الله تعالى مكانة عظيمة لذلك أكثر الله تعالى ذكرهم لجلالة قدرهم عنده سبحانه وتعالى ، من أجل أن تعلم الأجيال المسلمة إلى يوم القيامة رضاه عنهم بسبب مواقفهم الجليلة في نصرة دينه ونصرة نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم حيث بذلوا الأنفس والاموال وهجروا الديار ، وكانوا مثالا في السمع والطاعة والإذعان لأوامره ، ومثالا يقتدى في اجتناب نواهيه. فلا يأتي مشكك أو مخادع أو حاقد أو مضلل فيصرف الحق عن أهله ويستسلم لما يسمع من قصص وأقاويل باطلة وأكاذيب مفتراة فيصدق تلك الأقاويل والمفتريات، وجعل كتابه محفوظا إلى يوم القيامة لإثبات هذه الحقائق.
قال الله جل جلاله :{ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (التوبة:100)
هذه الآية الكريمة هي أول آية حسب ترتيب السور من الآيات التي أعلن الله تعالى جده ، رضاه عن المؤمنين من المهاجرين والأنصار وكذلك الذين اتبعوهم بإحسان .وما أعده الله جل جلاله لهم من الفوز العظيم يوم القيامة ، مما لا يدع مجالا لمتقول أو لمجتهد أو متأول أن يحرف الكلم عن مواضعه فيزعم زعما باطلا ، بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نافقوا أو كفروا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام ، مما لا يقبله عقل عاقل ناهيك عن العلماء المخلصين لله ورسوله ، لأنهم بذلك يكذبون الله ورسوله .
أقوال المفسرين في هذه الآية :
قال الطبري في تفسير هذه الآية : يقول تعالى ذكره : والذين سبقوا الناس أولا إلى الإيمان بالله ورسوله من المهاجرين الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم ، وفارقوا منازلهم وأوطانهم ، والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله والذين اتبعوهم بإحسان ، يقول : والذين سلكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام ، طلب رضا الله ، رضي الله عنهم ورضوا عنه.
واختلف أهل التأويل في المعني بقوله : { والسابقون الأولون }، فقال بعضهم هم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أو أدركوا ذلك. قال بذلك : عامر والشعبي قالا والسابقون الأولون من أدرك بيعة الرضوان. تفسير الطبري :11/6 .
وقال آخرون بل هم الذين صلوا القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال بذلك : أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وابن سيرين قتادة تفسير الطبري :11/7 .
وأما الذين اتبعوا المهاجرون الأولين والأنصار بإحسان فهم الذين أسلموا لله إسلامهم وسلكوا منهاجهم في الهجرة والنصرة وأعمال الخير . تفسير الطبري :11/8 .
وروى الطبري عن محمد بن كعب قال : مر عمر برجل وهو يقرأ هذه الآية { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ } قال من أقرأك هذه الآية قال أقرأنيها أبي بن كعب ، قال : لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فأتاه ، فقال : أنت أقرأت هذا هذه الآية ؟ قال : نعم ، قال : وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لقد كنت أرانا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا ، قال : وتصديق ذلك في أول الآية التي في أول الجمعة وأوسط الحشر وآخر الأنفال ، أما أول الجمعة { وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } (الجمعة:3) وأوسط الحشر : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ}(الحشر: من الآية10) وأما آخر الأنفال : { وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ } (الأنفال:75). تفسير الطبري :11/8 .
رأي الإمام القرطبي :
وقال القرطبي : في المسألة الثانية : نص القرآن على تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، وهم الذين صلوا إلى القبلتين في قول سعيد بن المسيب وطائفة ، وفي قول أصحاب الشافعي : هم الذين شهدوا بيعة الرضوان وهي بيعة الحديبية وقاله الشعبي ، وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار هم أهل بدر، واتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين من غير خلاف بينهم ، وأما أفضلهم فقال أبو منصور البغدادي التميمي : أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة – المبشرون بالجنة - ثم البدريون ، ثم أصحاب أحد ، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية . تفسير القرطبي : 8/236.
ولم يخرج أحد من المفسرين المعتمدين عندنا عن أحد هذه الأقوال بتفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.ثم الذين اتبعوهم بإحسان .
وفي هذه الآية بيان من الله جل جلاله في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم، الذي يعلم الغيب واختص نفسه بهذا دون أحد من خلقه :
1 - بأن الله تبارك وتعالى قد رضي عن المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان بما لا يدع لقائل قول ، ولا لمتأول تأويل ظاهر أو باطن .
2 – أنه سبحانه وتعالى بدأ ببيان رضاه أولا ، ثم ثنى بما أعده لهم من النعيم المقيم في جنات نعيم . علما بأن الرضا يكون بعد الدخول في الجنان كما أخبر بذلك الصادق المصدق عن ربه في الحديث القدسي.
3 - أخبر سبحانه وتعالى أنه جل جلاله قد أعد أي جهز الجنة لهم ، بأنهم في هذه الجنات خالدين أبدا لا يبغون عنها حولا ، فكيف يعد ثم لا يتحقق وعده.
4 – أن ذلك هو الفوز العظيم الذين سيفوزون به يوم يلقون ربهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق