الحلقة الثانية ( مكانة الصحابة في القرآن الكريم )
الآية الثانية
وعد الله المهاجرين بتكفير سيئاتهم ويدخلهم جناته :
قال الله تعالى :{ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ } (آل عمران:195)
أقوال المفسرين في هذه الآية :
قال الطبري رحمه الله تعالى : يعني بقوله جل ثناؤه : فالذين هاجروا قومهم من أهل الكفر ، إلى إخوانهم من أهل الإيمان بالله والتصديق برسوله ، وأخرجوا من ديارهم وهم المهاجرون الذين أخرجهم مشركوا قريش من ديارهم بمكة ، وأوذوا في سبيلي يعني وأوذوا في طاعتهم ربهم وعبادتهم إياه مخلصين له الدين ، وذلك هو سبيل الله التي آذى فيها المشركون من أهل مكة المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهلها، وقتلوا يعني : وقتلوا في سبيل الله وقاتلوا فيها ، لأكفرن عنهم سيئاتهم يعني لأمحونها عنهم ، ولأتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي ، ولأغفرنها لهم ، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، ثوابا يعني جزاء لهم على ما عملوا وأبلوا في الله ، وفي سبيله من عند الله : يعني من قبل الله لهم والله عنده حسن الثواب . يعني أن الله عنده من جزاء أعمالهم جميع صنوفه ، وذلك ما لا يبلغه وصف واصف ، لأنه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . تفسير الطبري : 4/216 .
وروى الطبري عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن أول ثلة تدخل الجنة لفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها ، فيقول : أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب . وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار ونقدس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب جل ثناؤه هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي فتدخل الملائكة عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى). تفسير الطبري : 4/216 .المستدرك على الصحيحين : 2/81 .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي قلت الله ورسوله أعلم . قال : المهاجرون يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون فتقول لهم الخزنة أوقد حوسبتم ؟ قالوا : بأي شيء نحاسب ؟ وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك ، قال : فيفتح لهم فيقيلون فيه أربعين عاما قبل أن يدخل الناس ) . الدر المنثور : 2/413 .
وأخرج أحمد عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( دخلت الجنة ، فسمعت فيها حشفة بين يدي ، فقلت : ما هذا ؟ قال : بلال ، فمضيت فإذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين ، وذراري المسلمين ، ولم أر أحدا أقل من الأغنياء والنساء ! قيل لي : أما الأغنياء فهم بالباب يحاسبون ويمحصون ، وأما النساء فألهاهن الأحمران الذهب والحرير ) .الدر المنثور : 2/413 .
فمما تقدم يتبين لنا أمور :
الأول : أن الله وعد المهاجرين المؤمنين جميعا أن لا يضيع عملهم ذكورا وإناثا . لقوله منكم إشارة إلى النساء من المؤمنات عموما ، اللاتي سألن عن حالهن حيث لم يذكرن مع الرجال .
الثاني : وعد الله تعالى المهاجرين الذين اجتمعت فيهم الصفات التالية أن يكفر عنهم سيئاتهم وأن يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله هذه الصفات هي :
1 - الذين هاجروا من مكة إلى المدينة .
2 - الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله .
3 – الذين أوذوا في سبيل الله تعالى حسبما ذكرته كتب الحديث والتفسير والسير مما لقيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيذاء والتعذيب مما لا يستطاع الصمود معه .
4 - والذين قاتلوا أيضا بعد ما استقروا في المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته .
5 - ومنهم من قتل في عهده عليه الصلاة والسلام ومنهم انتظر وما بدلوا تبديلا ، كل من اجتمعت فيهم تلك الصفات وعدهم الله تعالى بتكفير سيئاتهم ، وأن يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواب ما قدموا لنصرة دين الله سبحانه وتعالى ولنصرة النبي عليه الصلاة والسلام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق