بحث في زكاة الذهب المستعمل
كثر الحديث عن زكاة الذهب المستعمل . وإذا أفتى البعض من أبنائنا لا يذكر إلا رأيا واحدا مما يضيق على المسلمين في فتواه ويوقعهم في الحرج . والله تعالى يقول {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج: 78] وهم بذلك يضيقون واسعا .
وينبغي للمفتي أن يذكر آراء العلماء ويبين رأي الفريقين ثم يرجح ما يراه .
ومن ذلك مسألة زكاة الذهب المستعمل فليس في المسألة قولا واحدا ! فماذا قال فقهاءنا والعلماء من السلف ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإن من أهل العلم من أوجب الزكاة في الذهب المعد للزينة إذا بلغ نصاباً ، وهذا منقول عن بعض الصحابة ، وهو مذهب أبي حنيفة وبعض الفقهاء المعاصرين ، لما صح من حديث أبي داود (أن عائشة رضي الله عنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدها فتخات من ورق فقال: ما هذا يا عائشة؟. فقالت: صنعتهن لأتزين لك بهن يا رسول الله. فقال أتؤدين زكاتهن؟. فقالت: لا. قال: هن حسبك من النار). ولعل هذه الفتخات كانت تبلغ نصاباً، أو كان عند عائشة رضي الله عنها ما تضمه لها حتى تبلغ نصاباً.
أما مذهب الجمهور من الفقهاء ، وهو قول جماعة من الصحابة ، وبه قال بعض الفقهاء المعاصرين فهو أنه لا زكاة في الحلي المعد للزينة. ولهذا الفريق ادلته ايضا وهو الذي نفتي به.
يحتج من لم يوجب الزكاة في الحلي بحجج هي أظهر مما ذكرته بكثير، ومن أقواها آثار ثابتة عن جمع من الصحابة والتابعين تقتضي أن ليس في الحلي زكاة، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله: إنه ثابت عن خمسة من الصحابة، ومن أقوى ما احتجوا به كذلك القياس على ما كان متخذا للقنية بجامع الاستعمال المباح.
ومما ورد من كلام صاحب حاشية الروض يتضح به ما احتج الجمهور به في عدم وجوب زكاة الحلي. قال رحمه الله: ولا زكاة في حليهما المباح المعد للاستعمال أو العارية؛ لقوله عليه السلام: ليس في الحلي زكاة . رواه الطبراني عن جابر بسند ضعيف، لكن يعضده الاستعمال في عصر النبوة بدون زكاة، وكونه لم يرصد للنماء، والزكاة إنما شرعت في الأموال النامية.
وقال أحمد: فيه عن خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أي أنه لا زكاة فيه ، وكونه لا زكاة فيه هو مذهب مالك والشافعي وأبي عبيد وغيرهم، وذكره الأثرم عن خمسة من التابعين، ولأنه عدل به عن النماء إلى فعل مباح، أشبه ثياب البذلة، وعبيد الخدمة، ودور السكنى. انتهى بتصرف.
وقد أطال الشوكاني رحمه الله في السيل الجرار في الاستدلال لعدم الوجوب ومما قاله رحمه الله: وإذا عرفت هذا فقد قدمنا أن حديث السوارين قد قال الترمذي فيه إنه لم يصح في الباب شيء، والحديث الذي بعده عن عمرو بن شعيب ضعيف كما تقدم فلم يبق في الباب ما يصلح للاحتجاج به ولا سيما مع ما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن أمره بأن يأخذ من كل أربعين دينارا دينارا.
وقد كان للصحابة وأهاليهم من الحلية ما هو معروف ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالزكاة في ذلك؛ بل كان معاذ يعظ النساء ويرشدهن إلى الصدقة أي صدقة النفل فيلقين في ثوب بلال من حليهن كما هو ثابت في الصحيح، ولو كان عليهن في ذلك زكاة لأخبرهن لأنه فعل ذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أمرهن بما هو واجب عليهن أقدم من أمرهن بما ليس بواجب عليهن، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: لا نعلم أحدا من الخلق قال في الحلي زكاة.
وأخرج مالك أيضا في الموطأ عن ابن عمر أنه كان يحلي بناته وجواريه بالذهب فلا يخرج منه الزكاة.
وأخرج مالك أيضا في الموطأ والشافعي عن عائشة أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج منه الزكاة. فكيف تخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ما لا يمكن قبوله إلا أن يكون لديها دليل على عدم وجوب الزكاة في الحلي المباح.
وروى البيهقي والدارقطني عن جابر قال: ليس في الحلي زكاة.
وأخرج الدارقطني والبيهقي أيضا عن أنس وأسماء بنت أبي بكر نحوه.
وأما ما روي عن ابن عباس من إيجاب الزكاة في الحلي فقال الشافعي لا أدري أثبت عنه أم لا. انتهى.
فهذا هو ما احتج به من يقول من العلماء بعدم وجوب الزكاة في الحلي، وهو قول الجمهور وهو المفتى به عندنا، وبهذا يترجح لدينا أن الذهب المستعمل لا تجب فيه الزكاة والله أعلم.
ونصاب الذهب هو ما بلغ 85 جراماً تقريبا.ً
والله أعلم
نقله وأعاد صياغته
د. أحمد محمود ال محمود