س 1 - تصدر بين حين وآخر فتاوى غريبة وشاذة من بعض طلبة العلم الشرعي ... فهل يحق لكل طالب علم إصدار الفتوى ؟
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد
فإن الفتوى في الإسلام شانها عظيم لأن المفتي يقوم ببيان الأحكام الشرعية للمسائل التي تحدث للناس ، وما يجد في هذه الحياة من مسائل لم تكن وقعت قبل ذلك ، وبالتالي فإن المفتي يبين فيما يترجح لديه حكم الله تعالى فيما ينزل بالمسلمين . ولذلك قالوا لابد أن نعلم أن المفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( العلماء ورثة الأنبياء ).
ولخطر الإفتاء ومسئوليته العظيمة عند الله تعالى كان الصحابة والتابعون والمجتهدون يتورعون عن الفتوى ويحيلها بعضهم إلى بعض خشية الوقوع في الخطأ في حكم الله تعالى .
قال الله تعالى في تخصيص الفتوى بأهل العلم والاختصاص: { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } النساء /83 .
قال الإمام القرطبي في قوله تعالى { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ } أي لم يحدثوا به ولم يفشوه حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به ويفشيه. أو أولو الأمر وهم أهل العلم والفقه؛ عن الحسن وقتادة وغيرهما. السدي وابن زيد : الولاة. وقيل : أمراء السرايا. { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } أي يستخرجونه، أي لعلموا ما ينبغي أن يفشى منه وما ينبغي أن يكتم. والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته. والنبط : الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر أول ما تحفر. وسمي النبط نبطا لأنهم يستخرجون ما في الأرض. والاستنباط في اللغة الاستخراج، وهو يدل على الاجتهاد إذا عدم النص والإجماع كما تقدم.
فعن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال : أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة ، فيردها هذا إلى هذا ، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول.
ولو استعرضنا مواقف فقهاء الأمة ومجتهديها لطال بنا المقال ولكن أكتفي بما ذكرت من تحرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الفتوى لأن المفتي يقول للناس هذا هو حكم الله تعالى في هذه المسالة.
وبالتالي يحرم على كل فرد قرأ شيئا من الكتب أو تتلمذ على يد بعض طلبة العلم ممن ليس له في الفقه وأصوله باع ولا ذراع أن يتصدر للفتوى.
س 2 : من هو الشخص الفقيه الذي يحق له إصدار الفتاوى وما هي مواصفاته؟
الجواب : إنني لو استعرضت شروط المفتين فإنني لن أجد على الساحة في مملكتنا الفتية من يصلح للفتوى في هذا الزمان إلا عددا نادرا من أهل العلم وهم قليل جدا، قال الله تعالى : {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }(النساء: من الآية83). فقد خصصت الآية أهل الفتوى بأنهم الذي يعرفون كيف يستنبطون الأحكام من النصوص الشرعية، إن للفتوى شروط ذكرها فقهاء الأمة واعتبروها أساسية في المفتين وهي :
حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، ومعرفة العام والخاص ، والمجمل والمبين ، وغير ذلك من أصول العلم حتى لا تتعارض الأحكام ببعضها وكونه مكلفا ، مسلما ، ثقة ، مأمونا ، متنزها ، عن الفسق وخوارم المروءة ، فقيه النفس ، سليم الذهن ، رصين الفكر ، صحيح التصرف والاستنباط ، متيقظا.
قال أبوعمرو بن الصلاح في شروط المفتي: أن يكون قيما بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما التحق بها على التفصيل ، وأن يكون عالما بما يشترط في الأدلة ووجوه دلالتها وبكيفية اقتباس الأحكام منها وهذا يستفاد من أصول الفقه عارفا من علوم القرآن والحديث والناسخ والمنسوخ والنحو واللغة والتصريف واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها، ذا دربة وارتياض في استعمال ذلك، عالما بالفقه ضابطا لأمهات مسائله وتفاريعه فمن جمع هذه الأوصاف فهو المفتي المطلق.
وعند استعراض هذه الشروط نجد أن العدد الذي تنطبق عليه قليل جدا ولذلك فإن أكثر من يوجد على الساحة فإنما هم طلبة علم ونقلة للأحكام لذا يلزمهم حينما يسألون أن يبينوا أن في المسألة خلاف بين العلماء ، وأن فتواهم ليست هي الصواب الذي لا حق غيره خصوصا في المسائل الاجتهادية. ولنقل كما قال الأولون رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
س 3 - من الفتاوى الشاذة تحليل الربا وتحريم سواقة المرأة للسيارة، وتحريم الصلاة على الكراسي في المساجد وجواز الخطبة الواحدة في صلاة العيد ، فما ضرر مثل هذه الفتاوى على وحدة الأمة.
الجواب : مثل هذه الفتاوى مضحك مبكي فمنها ما هو تحليل لما حرم الله ورسوله بنصوص واضحة لا تقبل التأويل كتحليل الفوائد البنكية، ومنها ما هو اجتهادي والأمر فيه سعة كسواقة المرأة للسيارة ، والصلاة على الكراسي ، ومنها ما هو مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع فقهاء الأمة كالخطبة الواحدة للعيد ولقد ذكرت ذلك في مقال سابق وبينت الدليل النقلي والعقلي فيه. كما أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف خطأ من فعل ذلك وأفتى به.
وأرى أن الإشكالية في مثل هذه الأمور هو الحكام الذين لا يعلمون بأمور الشرع والدين، ومن يولون الشؤون الدينية في كثير من البلدان حتى أصبحت الشؤون الدينية شأنا عاديا عاما لا علاقة له بالدين ولا بمرضاة رب العالمين ، فالحاكم لا يعرف دوره في مثل هذه الأحوال والمسؤولون قد لا يكونون أصحاب كفاءة علمية ولا قدرة لهم على اتخاذ الرأي الصائب لقلة بضاعتهم العلمية ، فيحدث ما نسمع من فتاوى مضحكة أحيانا ومبكية أحيانا أخرى، فللحاكم الحق أن ينهى كل من ليس أهلا للفتوى أن يتصدر لذلك، وله أن يعاقبه إن عاد إلى الإفتاء بما يراه مناسبا .
س 4 – هناك من الفتاوى من أجاز قتل الأبرياء من المدنيين بما أضر بسمعة المسلمين ووصموا بالأرهاب ، فما تعليقكم على ذلك؟
الجواب : كل من دخل البلاد الإسلامية من غير المسلمين في حال السلم فقد أعطي حق الأمان من الحكومات المسلمة لأنه في العرف الفقهي أن هؤلاء يعتبرون مستأمنين فلا يجوز الاعتداء على أموالهم ولا أعراضهم ولا دمائهم ، أما من دخل هذه البلاد في وقت الحرب فكل بحسبه لأن الأحكام في وقت الحرب غيرها في وقت السلم فمنهم الجواسيس ومنهم المجندون السريون ومنهم المجندون للتخريب ، ومنهم العاملون الأبرياء فلكل أحكامه واعتباراته، ولا يمكن إعطاء حكم واحد لجميع الحالات.
س 5 – هل تعتقد أن السبب في ذلك هو تعطيل باب الاجتهاد منذ فترة طويلة ؟ وهل تدعون إلى إعادة فتح باب الاجتهاد مرة أخرى؟.
الجواب : باب الاجتهاد لا شأن له بالفوضى التي نراها ونسمع عنها ونشاهد آثارها المدمرة والمخربة ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن باب الاجتهاد ليس باب حصن حصين يفتح ويغلق بإذن من أحد، وإن علماء الأمة وفقهاءها مازالوا يفتون في كل ما يجد من مسائل حديثة سواء عن طريق المجامع الفقهية أو الاجتهادات الفردية، فباب الاجتهاد مفتوح لم يغلق، لكن الإشكالية هو تصدر كل من هب ودب وقرأ كتابا أو كتبا فظن نفسه أنه أعلم علماء الدنيا فأخذ يفتي بالحق والباطل.
س 6 – هل ترون أن الأمة الإسلامية في حاجة إلى فتاوى جماعية كالتي تصدرها المجامع الفقهية بدلا من الفتاوى الفردية التي قد تخطئ وقد تصيب ؟
الجواب :
الفتاوى في مثل هذه الأمور على قسمين : قسم لمسائل حديثة لم يكن لفقهاء الأمة ومجتهديها رأي قبل ذلك فمثلها يجب أن لا يتصدى لها إلا أهل العلم والفقه ومن توجد فيهم صفات المجتهدين أو أكثر صفاتهم على الأقل.
أما المسائل التي سبق أن أفتى فيها المفتون من قبل من مجتهدي الأمة الإسلامية وفقهائها الكبار فنحتاج في كل بلد إلى لجنة هي التي تتصدر على أن تجتمع فيهم بعض صفات أهل الفقه كما هو الحال في مصر وغيرها من الدول الإسلامية ، فإذا لم توجد مثل هذه اللجان فيلزم لمن يتصدر للفتوى أن يذكر أن في المسألة خلاف بين العلماء وهو يرى كذا أو أن الشيخ الفلاني يرى ذلك الرأي حتى لا يضيق واسعا على الناس، والله أعلى وأعلم.
د . أحمد محمود آل محمود
أستاذ متقاعد
كلية الآداب جامعة البحرين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق