الخميس، 7 مايو 2015

ضياع الأمانة


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه وبعد ، فإن هذه الحياة دار البلاء ، قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم : { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)} صدق الله العظيم .

والابتلاء أحيانا يكون من الله تعالى لبعض عباده كالمرض وفقد الأحبة ونحو ذلك من أنواع البلاء التي لا نعلم أشكالها ولا أوقاتها ، ولا نستطيع ردها أو إيقافها ، لأن مثلها لا يد لنا فيها فما لنا إلا الصبر والاحتساب ، وهذا الابتلاء محمود يجب الصبر عليه واحتساب الأجر عند الله تعالى ، وهذا دأب المؤمنين ، قال الله جل جلاله : { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. } .

وهناك أنواع من الابتلاء للعباد يد فيها كالكيد والمكر والخديعة والظلم والغش والخيانة والغدر ، ونحو ذلك من الصفات التي لا يجوز للمسلم العادي أن يتصف بها ، ومن باب أول كل من زعم أنه يدعو إلى دين الله تعالى ، ويعمل في سبيل الاسلام ونصرة أهله فلا شك أنه يجب أن يكون أشد اجتنابا لمثل هذه الصفات السيئة التي تعطي طابعا سيئا عن الإسلام وأهله والدعاة إليه.

هذا النوع من الابتلاء الذي يحار العقل فيه كيف تعالجه ؟ وكيف تدفعه ؟ لأن من كان من أمثال هؤلاء الناس يصعب عليه أن يعترف بفعلته ،  فكيف إذا تكررت مثل هذه الأفعال من مثل هؤلاء الناس ، الذين يرون أنفسهم الهداة المهتدين  ، وأنهم على الحق المبين  ، وأنهم الذين يجب أن يقتدى بهم وهم المثل الأعلى في الناس والمجتمع . فلاشك أن المصيبة عظيمة والطامة كببيرة ، ثم كيف إذا نظروا إلى أنفسهم أنهم الوحيدون على الحق دون سواهم ؟ ! لا شك أن الخطب أشد والمصيبة أكبر .

تصور يوما أنه كانت  هناك مشكلة فقمت بعمل ابتكار علمي لحلها أو بحث عرفت من خلاله أسبابها وكيفية علاجها وفوائد حل هذه المشكلة للناس أفرادا وجماعات . ثم أطلعت عليها أحدا من أصدقائك الذين يسيرون في نفس اتجاهك ويعملون أيضا البحوث والمشاريع النافعة للناس وللمجتمع بحكم الثقة المتبادلة بينكما فأخذ عنك جهدك ثم تقدم به على أنه صاحب الابتكار والبحث او المشروع . فماذا تسمي ذلك ؟ وكيف يمكنك حل هذه المشكلة ؟ !

من الناحية العلمية هذا العمل جريمة لأنه عمل مقصود اكتملت فيه أركان الجريمة ، من قصد الاضرار بالآخرين وسوء النية والقيام بالفعل ، ويمكن أن يعاقب عليها القانون ويطالب صاحب الحق بالتعويض ، لكنك أمام أمرين احلاهما مر فهذا صديقك ويسيرعلى نفس منهجك ، ويعلم أن ما فعله جريمة . وربما لايعلم فتلتمس له عذر ، لعلك أكثر ما تستطيع فعله أن تقاطعه ،وإذا لم تستطع الصبر على هذا الأمر ربما فضحته بين خلق الله ليكون عبرة لمن يعتبر . أما إذا غلبك عقلك فتلتمس له عذرا أو تفضل الصفح . ثم تجتنبه وتحافظ على اسرارك العلمية وأبحاثك النافعة .وإذا شطت بك عاطفتك ربما شكوته عند المسؤولين أو في المحاكم  ، المهم أن ما فعله صاحبك جريمة في رأيك وفي رأي القانون وفي نظر المجتمع وفي رأي الاسلام الذي ندين به . لكن هناك من الجرائم في مثل هذه الحالة لا يعاقب عليها القانون لأن الخسارة المادية غير مرئية والضرر غير واضح .ولو وقع هذا الاعتداء على ذلك الحق في غير البلاد العربية والاسلامية لكان له شأن عظيم في التنكيل بصاحب هذه الفعلة المنكرة الدنيئة التي تدل على الخبث وقلة الإيمان والوازع الديني لأن القانون يحرم الاعتداء على حقوق الآخرين أيا كان نوعه وشكله .

  هذه الجريمة أيها الإخوة تسمى خيانة الأمانة : وقد قال عليه الصلاة والسلام : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ) والأمانة صعبة لذلك قال الله جل جلاله عنها في كتابه الكريم  }إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فَأَبَيْنَ أَنْ
يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا{   لكن ما حكم من حمل الأمانة ثم خانها ؟!. وأمثال هؤلاء في مجتمعاتنا أصبحوا كثر سواء كانوا على منهجك أو على غير منهجك فالمصلحة هي الأهم ولو كانت هذه المصلحة لا تزيد عن كونها شهرة لا تأتي بمال ولا تزيد في جاه أو سلطان .

ثم هب أنك قدمت إلى مؤسسة أو هيئة من الهيئات مشروعا لا تبتغي به إلا وجه الله تعالى ومصلحة الناس ثم قام أحد أفراد هذه المؤسسة بتقديم هذا المشروع إلى غيرك من الناس أو من أصحابه وطلب منه أن يتقدم بهذا المشروع باسمه أو باسم جماعته التي ينتمي إليها ، فتبنت تلك المؤسسة ذلك المشروع وعملت به بل وحرمت المتقدم الأصلي حتى من المشاركة فيه ، فماذا يسمى ذلك في القانون وفي عرف الناس وفي الشرع الاسلامي ؟ ! لاشك أن الخطب أكبر والمصيبة أعظم  . لكن ماذا لو دأب أصحاب الخيانة على مثل هذا العمل دون مبالاة بدين أو ضمير أو قانون أو شرع . أو عقوبة دنيوية أو أخروية .

إن الإسلام حرم خيانة الأمانة ولو كانت مختصة بإنسان غير مسلم كافر أو مشرك أو كتابي فكيف بخيانة الأمانة من مسلم نحو أخيه المسلم .

ومن أمثال هذه الخيانات في مجتمعاتنا أصبحت كثيرة بحيث صعب حصرها وربما علاجها ، فإذا كانت الخيانة متفشية في أفراد المجتمع ، العاديين وأصحاب المناصب وبعض المسؤولين  ممن لا دين لهم فربما ليس ذلك بمستنكر . لكن إذا حدثت مثل هذه الخيانة من بعض من يحملون راية الاسلام والدعاة إلى الله تعالى فهذا شيء لا يغتفر عند الله تعالى ولا عند الناس ، ثم هل ننتظر بعد ذلك رحمة من السماء  ! أو تحسنا للأحوال أو تغييرا إلى الأفضل ، أو نصرا على عدو ! ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ . قَالَ _ الراوي _كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ )* أسأل الله تعالى أن يلطف بعباده إنه سميع مجيب .  
24/3/1421 هـ
 27/6/2000                                        
  د . أحمد محمود آل محمود
                                                   كلية الآداب جامعة البحرين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق