الأحد، 3 مايو 2015

ترجمة الإمام الشافعي


ترجمة الإمام الشافعي
اسمه وكنيته
الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، القرشي المطلبي الشافعي، يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف المذكور، وباقي النسب إلى عدنان معروف([1]).

 لقي جده شافع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع ([2])، وكان أبوه السائب صاحب راية بني هاشم يوم بدر، فأسر وفدى نفسه ثم أسلم، فقيل له: لم لم تسلم قبل أن تفدي نفسك فقال: ما كنت أحرم المؤمنين مطمعا لهم في.

قالوا والإمام القرشي الذي لا يختلف عاقلان في أنه من قريش هو الشافعي رضي الله عنه فهو المشهود له بالإمامة بل بانحصار الإمامة فيه لأن الأئمة من قريش يدل بحصر المبتدأ على الخبر على ذلك ولا نعني بالإمامة إمامة الخلافة بل إمامة العلم والدين أو أعم من ذلك فبكل تقدير إمامة العلم والدين مقصودة لأنها إما كل المقصود أو بعضه وفي بعض هذا كفاية لمن يتقي الله تعالى ويحتاط لنفسه أن يزيغ عن الحق على عظيم قدر الشافعي وسديد مذهبه وصواب رأيه وأن من عاند مذهبه فقد عاند الحق وباء بعظيم الإثم ومن أراد إهانته أهانه الله([3]).

نسبه لأمه
قال الإمام السبكي: وهو فيما أجده يترجح عندي محمد بن فاطمة بنت عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهذا ما ذكر الحاكم أبو عبد الله أنه سمع أبا نصر أحمد ابن الحسين بن أبي مروان يقول: إنه سمع إمام الأئمة أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: إنه سمع يونس بن عبد الأعلى يقول: إن أم الشافعي فاطمة وساق نسبها كما ذكرته وكان يونس يقول لا أعلم هاشميا ولدته هاشمية إلا على بن أبي طالب والشافعي رضي الله عنهما([4]).

وقال غيره
أمه أزدية ولد بالشام بغزة وقيل باليمن سنة خمسين ومائة وحمل إلى مكة فسكنها وتردد بالحجاز والعراق وغيرهما ثم استوطن مصر وتوفي بها([5]).

ذكر ابن عبد الحكم أن الشافعي قال له: كانت أمي من الأزد وهذا نقف به الحكم بأنها علوية إلا أن يحمل على أنها أزدية علوية من جهتين، ولله درها من أي قبيلة كانت أمن العلويين العالين قدرا جمع الله شملهم وشمل جمعهم؟ أم من الأزد الذين قال فيهم رسول الله فيما رواه الترمذي: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الأَزْدُ أُسْدُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، يُرِيدُ النَّاسُ أَنْ يَضَعُوهُمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يَرْفَعَهُمْ وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقُولُ الرَّجُلُ يَا لَيْتَ أَبِي كَانَ أَزْدِيًّا يَا لَيْتَ أُمِّي كَانَتْ أَزْدِيَّةً) ([6]).

ولم يكن مقصدنا هنا إلا تبيين أنه معلم الطرفين كريم الأبوين قرشي هاشمي مطلبي من الجهتين، ويكفينا فيما نحاوله جهة الأبوة فإنه قرشي مطلبي من تلك الجهة قطعا، وعلي كرم الله وجهه ابن خالته، كما هو ابن عمه، أما كونه ابن عمه فظاهر، وأما كونه ابن خالته فلأن أم السائب بن عبيد جد الشافعي هي الشفا بنت الأرقم بن هاشم بن عبد مناف، وأم هذه المرأة خليدة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وأم علي بن أبي طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، فظهر أن عليا رضي الله عنه ابن خالته بمعنى ابن خالة أم جده والغرض الأعظم تبيين أنه قرشي مطلبي، وذلك أمر قطعي ومن أجله سقنا ما أوردناه من الأحاديث([7]).

رؤيا أمه لما حملت به
وحكى الخطيب في تاريخ بغداد عن ابن عبد الحكم قال: لما حملت أم الشافعي به رأت كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع  في كل بلد منه شظية، فتأول أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها عالم يخص علمه أهل مصر ثم يتفرق في سائر البلدان([8]).

مولده
ولد سنة خمسين ومائة، وقد قيل: إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة، وكانت ولادته بمدينة غزة، وقيل بعسقلان، وقيل باليمن، والأول أصح، وحمل من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين فنشأ بها وقرأ القرآن الكريم، وقدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة فأقام بها سنتين، ثم خرج إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة فأقام بها شهرا، ثم خرج إلى مصر، وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومائة، وقيل سنة إحدى ومائتين. ولم يزل بها إلى أن توفي.

قال محمد بن عبدالله بن عبد الحكم،: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: ولدت بغزة سنة خمسين - يعني ومئة - وحملت إلى مكة وأنا ابن سنتين.

قال: وأخبرني غيره عن الشافعي، قال: لم يكن لي مال، فكنت أطلب العلم في الحداثة أذهب إلى الديوان استوهب الظهور أكتب فيها.

وعن علي بن أبي علي المعدل ، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز البرذعي، قال: حدثنا عبد الرحمان بن أبي حاتم، قال: حدثنا أبي قال: سمعت عمرو بن سواد، قال: قال لي الشافعي: ولدت بعسقلان فلما أتى علي سنتان حملتني أمي إلى مكة وكانت نهمتي في شيئين: في الرمي وطلب العلم، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة، وسكت عن العلم، فقلت له: أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي([9]).

روى أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمان بن وهب الوهبي ابن أخي عبدالله بن وهب، قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: ولدت باليمن فخافت أمي علي الضيعة، وقالت: الحق بأهلك فتكون مثلهم، فإني أخاف أن تغلب على نسبك. فجهزتني إلى مكة، فقدمتها وأنا يومئذ ابن عشر أو شبيه بذلك، فصرت إلى نسيب لي، وجعلت أطلب العلم فيقول لي: لا تشتغل بهذا وأقبل على ما ينفعك، فجعلت لذتي في هذا العلم وطلبه حتى رزق الله منه ما رزق.

وقال أبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم ابن شادي الهمذاني، قال: حدثنا أبو نصر منصور بن عبدالله الهروي الصوفي بهمذان، قال: سمعت أبا الحسن المغازلي يقول: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: رأيت علي ابن أبي طالب في النوم، فسلم علي، وصافحني، وخلع خاتمه فجعله في إصبعي، وكان لي عم ففسرها لي، فقال لي: أما مصافحتك لعلي فأمان من العذاب، وأما خلع خاتمه فجعله في إصبعك فسيبلغ اسمك ما بلغ اسم علي في الشرق والغرب([10]).

.أبناء الإمام الشافعي :
ذكر أن له ولدان الأول الشيخ أبو عثمان القاضى محمد بن الشافعى ابن أبى عبد الله محمد بن إدريس بن العباس ([11])، وهو أكبر أولاد الشافعى ولما توفى والده كان بالغا مقيما بمكة وهو الذى قال له الإمام أحمد بن حنبل إنى لأحبك لثلاث خلال: أنك ابن أبى عبد الله، وأنك رجل من قريش، وأنك من أهل السنة([12]).

وللشافعى ولد آخر يسمى محمدا أيضا وكنيته أبو الحسن وهو من جارية اسمها دنانير ذكر أبو سعيد بن يونس أنه قدم مصر مع أبيه وهو صغير فتوفى بها فى شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين([13]).

كثير المناقب جم المفاخر منقطع القرين
وكان الشافعي كثير المناقب جم المفاخر منقطع القرين، اجتمعت فيه من العلوم بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكلام الصحابة رضي الله عنهم وآثارهم، واختلاف أقاويل العلماء وغير ذلك من معرفة كلام العرب واللغة والعربية والشعر ما لم يجتمع في غيره، حتى إن الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن قرأ عليه أشعار الهذليين !  

وقال الشافعي: قدمت على مالك بن أنس وقد حفظت الموطأ، فقال لي: أحضر من يقرأ لك، فقلت: أنا قارئ، فقرأت عليه الموطأ حفظا، فقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام.

قال الشافعي: لقيني مسلم بن خالد الزنجي - وكان من أصحاب مالك رحمه الله تعالى([14])- فقال لي: يا فتى من أين أنت؟ قلت: من أهل مكة، قال: أين منزلك بها؟ قلت: شعب الخيف، قال: من أي قبيلة أنت؟ قلت: من ولد عبد مناف، قال: بخ بخ لقد شرفك الله في الدنيا والآخرة([15]).

وقال الإمام السبكي: وهذا الإمام المطلبي أخرجه الله من صميم العرب، حيث ترتفع بيوتها فوق السماء، ومن بني مضر، حيث هي جارة ذيل الفخار والعلا، ثم من إكرام الله تعالى إياه وموهبته له لا بمسعاه أنه لم يخلق بعد عصر الصحابة في قريش مثله، ولا أقام منهم مدعيا لإمامة العلم والدين يسمع له الناس على مر السنين، ولا موسوما بهذين الأمرين مع شهادة الخلق، وشهرة الاسم عند الخاص والعام سواه.

فنقول ولا نزكى على الله أحدا ولا نقطع على الله أبدا لعل الله تعالى إنما أراد ذلك ليتوضح أمر إمامته ويتبين للخاص والعام ولا يخالط الشك شيئا من الأفهام([16]) فنقول روى أن رسول الله قال: لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض([17]) علما اللهم إنك أذقت أولها عذابا ووبالا فأذق آخرها نوالا) ([18]).

 وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:( لا تؤموا قريشا وأتموا بها ، ولا تقدموا على قريش وقدموها ، ولا تعلموا قريشا وتعلموا منها ، فإن أمانة الأمين من قريش تعدل أمانة اثنين من غيرهم ، وإن علم عالم قريش يسع طباق الأرض )([19]). وفي رواية الأبدي : ( فإن علم عالم قريش مبسوط على الأرض ).

ورواه القضاعي عن ابن عباس بلفظ : ( اللهم اهد قريشا ، فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض ، اللهم أذقت أولها نكالا فأذق آخرها نوالا ) ([20]).

وقد دل على الشافعي من بينهم بخصوصه لأنه رضي الله عنه وأرضاه وجمعنا معه في دار كرامته عالم قريش الذي ملأ الأرض علما لا يمتري في ذلك إلا جاهل متعصب.

قال الإمام الجليل أبو نعيم عبد الملك بن محمد الفقيه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( عالم قريش يملأ الأرض علما) علامة بينة أن المراد بذلك رجل من علماء هذه الأمة من قريش قد ظهر علمه وانتشر في البلاد وكتبت كتبه ودرسها المشايخ والشبان الأحداث في مجالسهم وصيروها إماما لهم واستظهروا أقاويله وأجروها في مجالس الأمراء والحكام وحكموا بها في الدماء والفروج.

قال وهذه صفة لا نعلمها أحاطت بأحد إلا الشافعي إذ كان كل واحد من قريش من علماء الصحابة والتابعين، وإن ظهر علمه وانتشر فإنه لم يبلغ مبلغا يقع تأويل هذه الرواية عليه، إذ ليس للواحد منهم غير نتف وقطع من المسائل، بخلاف الشافعي القرشي فإنه صنف الكتب وشرح الأصول والفروع، ووعت القلوب كلامه، وازداد على مرور الأيام حسنا وبيانا، وبلغ الحد الذي جاز للمتأول أن يتأول في هذه الرواية أنه هو المراد منها، قلت وهذا الذي ذكره أبو نعيم ذكره غيره ولا مرية في صحته وإنما بالغ في تقريره مع وضوحه خشية من منازعة جدلي مغرور في شيء منه فإنه إن استطاع المنازعة في شيء منه فغايته أن يقول على كرم الله وجهه أيضا من علماء قريش وابن عباس رضي الله عنهما كذلك وغيرهما من الصحابة([21]).

وعن حسين بن علي يعني الكرابيسي قال: بت مع الشافعي غير ليلة، وكان يصلي نحو ثلث الليل فما رأيته يزيد على خمسين آية، فإذا أكثر فمئة، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله لنفسه وللمؤمنين أجمعين، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ منها وسأل النجاة لنفسه ولجميع المسلمين.
قال: فكأنما جمع له الرجاء والرهبة جميعا([22]).

وقال: أخبرني الزبير بن عبد الواحد، قال: سمعت عباس بن الحسين، قال: سمعت بحر ابن نصر يقول: كنا إذا أردنا أن نبكي قلنا بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي يقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن حتى يتساقط الناس بين يديه، ويكثر عجيجهم بالبكاء، من حسن صوته فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة.

وقال علي بن إبراهيم البيضاوي، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد الرحمان بن الجارود الرقي، قال: سمعت الربيع ابن سليمان يقول: كان الشافعي يفتي وله خمس عشرة سنة، وكان يحيي الليل إلى أن مات([23]).

وعن الحسن ابن محمد الزعفراني، قال: حج بشر المريسي سنة إلى مكة، ثم قدم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلا ما رأيت مثله سائلا ولا مجيبا - يعني الشافعي - قال: فقدم الشافعي علينا بعد ذلك بغداد فاجتمع إليه الناس وخفوا عن بشر، فجئت إلى بشر يوما، فقلت([24]). هذا الشافعي الذي كنت تزعم قد قدم. فقال: إنه قد تغير عما كان عليه.

قال الزعفراني: فما كان مثله إلا مثل اليهود في أمر عبدالله بن سلام حيث قالوا: سيدنا وابن سيدنا، فقال لهم: فإن أسلم ؟ قالوا شرنا وابن شرنا !
قال: حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل.
قال: قلت لابي: يا أبة أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له ؟
فقال لي: يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس فانظر هل لهذين من خلف أو منهما عوض. ([25])..
       
وقال أحمد:  ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له.
وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى الشافعي فقال: سلوا هذا الغلام. وقال الحميدي: سمعت زنجي بن خالد - يعني مسلما - يقول للشافعي: أفت يا أبا عبد الله فقد والله آن لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة([26]) . وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي: رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعي في المسجد الحرام، فقلت: يا أبا عبد الله، هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد يحدث، فقال: إن هذا يفوت وذاك لا يفوت([27]).

وقال أبو حسان الزيادي: ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحدا من أهل العلم تعظيمه للشافعي، ولقد جاءه يوما فلقيه وقد ركب محمد بن الحسن، فرجع محمد إلى منزله وخلا به يومه إلى الليل، ولم يأذن لأحد عليه.

الشافعي على رأس المائة الثانية

وقال أحمد: إن الله تعالى يقيض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن وينفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز وفي رأس المائتين الشافعي.

وقال إسماعيل بن يحيى سمعت الشافعي يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر.
وقال الربيع بن سليمان: كان الشافعي يفتي وله خمس عشرة سنة وكان يحيى الليل إلى أن مات.
وقال أبو ثور: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شاب أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن، ويجمع فيه قول الأخيار، وحجة الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة فوضع له كتاب الرسالة.

وقال ابن مهدي: ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها.
وقال هارون بن سعيد الأيلي: لو أن الشافعي ناظر على هذا العمود الذي هو من حجارة أنه من خشب لغلب لا قتداره على المناظرة([28]).

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلاً قط أكمل من الشافعي.
وقال أبو عبيد ابن حربويه: سمعت الحسن بن علي القراطيسي يقول: كنت عند أبي ثور فجاءه رجل فقال له: أصلحك الله، فلان سمعته يقول قولاً عظيماً؛ سمعته يقول الشافعي أفقه من الثوري، قال: أنت سمعته يقول ذاك؟ قال: نعم، ثم قام الرجل فقال أبو ثور: يستنكر أن يقال الشافعي أفقه من الثوري! هو عندي أفقه من الثوري ومن  النخعي([29]).

صفاته العلمية
كان حافظاً، حفظ الموطأ في تسع ليال وقيل: في ثلاث ليال خرج عن مكة ولزم هذيلاً فتعلم كلامها وكانت أفصح العرب فبقي فيهم مدة راحلاً برحيلهم ونازلاً بنزولهم.
قال الشافعي: فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب فمر بي رجل من الزبيديين فقال لي: يا أبا عبد الله عز علي أن لا يكون مع هذه الفصاحة والذكاء فقه فتكون قد سدت أهل زمانك؟ فقلت: ومن بقي يقصد؟ فقال لي: هذا مالك سيد المسلمين يومئذ؟ فوقع في قلبي وعدت إلى الموطأ فاستعرته وحفظته في تسع ليال([30]).

ورحل إلى مالك فأخذ عنه الموطأ وكان مالك يثني على فهمه وحفظه ووصله بهدية جزيلة لما رحل عنه. وكان الشافعي يقول: مالك معلمي وأستاذي ومنه تعلمنا العلم، وما أحد أمنَّ علي من مالك وجعلت مالكاً حجة فيما بيني وبين الله تعالى([31]).

ذكر ثناء العلماء عليه بسعة العلم والفضل:

قال محمد بن عبد الحكم: قال لي أبي: الزم هذا الشيخ يعني الشافعي فما رأيت أبصر منه بأصول العلم أو قال: بأصول الفقه. وكان صاحب سنة وأثر وفضل مع لسان فصيح طويل وعقل رصين صحيح([32]).
 وقال يحيى بن سعيد القطان: إني لأدعو الله في صلاتي للشافعي لما أظهر من القول بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم([33]).

وقال أحمد بن حنبل: كان الشافعي أفقه الناس في كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قليل الطلب للحديث وقال: كان الشافعي للعلم كالشمس للدنيا والعافية للناس فانظر هل من هذا عوض؟. وقال بن معين لصالح بن أحمد بن حنبل: ما يستحي أبوك رأيته مع الشافعي والشافعي راكب وهو راجل ورأيته وقد أخذ بركابه. وقال صالح نقلت هذا لأبي فقال لي: قل له: إن أردت أن تتفقه فخذ بركابه الآخر([34]).
قال ابن هشام: الشافعي حجة في اللغة. وذاكره ابن هشام بمصر في أنساب الرجال فقال له الشافعي - بعد ساعة: دع عنك هذا فإنها لا تذهب عنا ولا عنك وخذ في أنساب النساء، فلما أخذت في ذلك بقي بن هشام ساكتاً فكان يقول: ما ظننت أن الله عز وجل خلق مثل هذا([35]).

قال النسائي: هو أحد العلماء ثقة مأمون. قال أحمد بن عبد الله: هو ثقة صاحب رأي وكلام وليس عنده حديث. وقد ألف الخطيب أبو بكر بن ثابت البغدادي كتابه الحجة بالشافعي وأثبته في الصحيح وذكر الأثر المتأول فيه.

دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( اللهم اهد قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً اللهم كما أذقتهم عذاباً فأذقهم نوالاً )([36]) .
من أقواله وحكمه:
قال الشافعي: القرآن كلام غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر.
قال الشافعي: من ولي القضاء ولم يفتقر فهو سارق([37]).
وقال: من حفظ القرآن نبل قدره، ومن تفقه عظمت قيمته، ومن حفظ الحديث قويت حجته، ومن حفظ العربية والشعر رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه العلم.

وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: كيف أصبح من يطلبه ثمان: الله بالقرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم بالسنة، والحفظة بما ينطق، والشيطان بالمعاصي ، والدهر بصروفه، والنفس بشهوتها، والعيال بالقوت، وملك الموت بقبض روحه؟([38]).
وقال الجاحظ نظرت في كتب الشافعي فإذا هو در منظوم لم أر أحسن تأليفا منه.
وقال هلال بن العلاء لقد من الله على الناس بأربعة بالشافعي فقه الناس في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أحمد بن سيار المروزي لولا الشافعي لدرس الإسلام، وقال أبو زرعة الرازي ما عند الشافعي حديث غلط فيه.
 وقال يحيى بن أكثم: ما رأيت أعقل منه، وقال أبو داود: ليس للشافعي حديث أخطأ فيه، وقال الزعفراني عن يحيى بن معين: لو كان الكذب له مطلقا لكانت مروءته تمنعه أن يكذب. وقال مسلم بن الحجاج في كتابه (الانتفاع بجلود السباع): وهذا قول أهل العلم بالأخبار ممن يعرف بالتفقه فيها والإتباع، لها منهم يحيى بن سعيد، وابن مهدي، ومحمد بن ادريس الشافعي، وأحمد، واسحاق، ولما ذكر في موضع آخر قول من عاب الشافعي أنشد:

ورب عياب له منظر * مشتمل الثوب على العيب

وقال علي بن المديني لابنه: لا تدع للشافعي حرفا إلا كتبته فان فيه معرفة. وقال أبو حاتم: فقيه البدن صدوق. وقال أيوب بن سويد: ما ظننت اني أعيش حتى أرى مثله. وعن يحيى بن سعيد القطان قال: ما رأيت أعقل ولا أفقه من الشافعي وأنا أدعو الله له أخصه به وحده في كل صلاة. وقال الأصمعي: صححت أشعار البدويين على شاب من قريش يقال له محمد بن إدريس([39]).

وقال عبد الملك بن هشام: الشافعي بصير باللغة يؤخذ عنه ولسانه لغة فاكتبوه، وقال مصعب الزبيري: ما رأيت أعلم بأيام الناس منه وقال أبو الوليد بن أبي الجارود: كان يقال ان الشافعي لغة وحده يحتج بها. وقال ابن عبد الحكم: ان كان أحد من أهل العلم حجة فالشافعي حجة في كل شئ، وقال الزعفراني: ما رأيته لحن قط. وقال يونس بن عبد الأعلى: كان إذا أخذ في العربية قال هذه صناعته.

وقال النسائي: كان الشافعي عندنا أحد العلماء ثقة مأمونا وروى الحليلي عن أحمد ابن حنبل قال سمعت الموطأ من بضعة عشر نفسا من حفاظ أصحاب مالك فأعدته على الشافعي لاني وجدته أقومهم([40]).

وقال المزني كان بصيرا بالفروسية والرمي وصنف كتاب السبق والرمي ولم يسبقه إليه أحد وقال ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم كان الأمير عبدالله بن الناصر يقول: رأيت أصل محمد بن وضاح الذي كتبه بالمشرق وفيه سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال ثقة.

وقال الحاكم تتبعنا التواريخ وسواد الحكايات عن يحيى بن معين فلم نجد في رواية واحد منهم طعنا على الشافعي، ولعل من حكى عنه غير ذلك قليل المبالاة بالوضع على يحيى والله أعلم. وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي بالغ مسلم في تعظيم الشافعي في كتاب الانتفاع بجلود السباع وفي كتاب الرد على محمد بن نصر وعده في هذا الكتاب من الائمة الذين يرجع إليهم في الحديث وفي الجرح والتعديل([41]).

أول من تكلم في علم أصول الفقه
والشافعي أول من تكلم في أصول الفقه وهو الذي استنبطه، وقال أبو ثور: من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه فقد كذب، كان منقطع القرين في حياته، فلما مضى لسبيله لم يعتض منه.
وقال أحمد بن حنبل: ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي في رقبته منة. وكان الزعفراني يقول: كان أصحاب الحديث رقودا حتى جاء الشافعي فأيقظهم فتيقظوا.

ومن دعائه: اللهم يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير، وهو مشهور بين العلماء بالإجابة، وأنه مجرب. وفضائله أكثر من أن تعدد.


شيوخه وتلامذته
نزيل مصر إمام الأئمة وقدوة الأمة، ولد بغزة سنة خمسين ومائة وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين.

روى عن مسلم بن خالد الزنجي، ومالك بن أنس، وابراهيم بن سعد، وسعيد بن سالم القداح، والدراوردي، وعبد الوهاب الثقفي، وابن علية، وابن عيينة، وأبي ضمرة، وحاتم ابن إسماعيل، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، واسماعيل بن جعفر، ومحمد بن خالد الجندي، وعمر ابن محمد بن علي بن شافع، وعطاف بن خالد المخزومي، وهشام بن يوسف الصنعاني، وجماعة([42]).

تلامذته
 وعنه ابنه أبو عثمان محمد، و سليمان بن داود الهاشمي، وأبو بكر عبدالله بن الزبير الحميدي، وابراهيم بن المنذر الحزامي، وأبو ثور ابراهيم بن خالد، والإمام أحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم، وأبو الطاهر بن السرح، وأبو إبراهيم بن اسماعيل بن يحيى المزني، وحرملة بن يحيى، والحسن بن محمد الزعفراني، والربيع بن سليمان المرادي، والربيع بن سليمان الجيزي، وأبو الوليد المكي، وأبو يعقوب البويطي، ويونس بن عبد الأعلى، وعمرو بن سواد العامري، والحسن بن محمد بن الصباح. وخلق كثير([43])..

كتبه ومؤلفاته
       
له من التصانيف إثبات النبوة والرد على البراهمة. أحكام القرآن. اختلاف الحديث. آمالي الكبير في الفقه. الإملاء الصغير. تعظيم قدر الصلاة. التنقيح في علم القيافة. الحجة العراقي. رسالة في بيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة. سنن في الحديث. الفقه الأكبر. كتاب الأسماء والقبائل في اختلاف العراقيين. كتاب الأم في الفقه مجلدات. الكتاب الجديد. الكتاب القديم. الكتاب المبسوط في مذهبه. كتاب المبسوط كذا. مختصر البويطي مختصر الربيع. مختصر المزني. مدافع القرآن وغير ذلك([44])..

اشعاره
وللإمام الشافعي أشعار كثيرة فمن ذلك ما نقلته من خط الحافظ أبي طاهر السلفي رحمه الله تعالى:
وللإمام الشافعي أشعار كثيرة فمن ذلك ما نقلته من خط الحافظ أبي طاهر السلفي رحمه الله تعالى:
إن الذي رزق اليسار ولم يصب ... حمدا ولا أجرا لغير موفق
الجد يدني كل أمر شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق
وإذا سمعت بأن مجدودا حوى ... عودا فأثمر في يديه فصدق
وإذا سمعت بأن محروما اتى ... ماء ليشربه فغاض فحقق
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم  أقطار السماء تعلقي
لكن من رزق الحجا حرم الغنى ... ضدان مفترقان أي تفرق
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق([45])

ومن المنسوب إليه أيضا:
رام نفعا فضر من غير قصد ... ومن البر ما يكون عقوقا

ومن المنسوب إلى الشافعي:
كلما أدبني الده ... ر أراني نقص عقلي
وإذا ما ازددت علما ... زادني علما بجهلي

وهو القائل:
ولولا الشعر بالعلماء يزري ... لكنت اليوم أشعر من لبيد

وقال الشافعي رضي الله عنه: تزوجت امرأة من قريش بمكة، وكنت أمازحها فأقول:
ومن البلية أن تح ... ب فلا يحبك من تحبه

فتقول هي:
ويصد عنك بوجهه ... وتلج أنت فلا تغبه

ولما مات رثاه خلق كثير، وهذه المرثية منسوبة إلى أبي بكر محمد بن دريد صاحب المقصورة، وقد ذكرها الخطيب في " تاريخ بغداد " وأولها:

بملتفتيه للمشيب طوالع ... زواجر عن ورد التصابي روادع
تصرفه طوع العنان وربما ... دعاه الصبا فاقتاده وهو طائع
ومن لم يزعه لبه وحياؤه ... فليس له من شيب فوديه وازع
هل النافر المدعو للحظ راجع ... أم النصح مقبول أم الوعظ نافع
أم الهمك المغموم بالجمع عالم ... بأن الذي يوعي من المال ضائع
وأن قصاراه على فرط ضنه ... فراق الذي أضحى له وهو جامع
ويخمل ذكر المرء ذي المال بعده ... ولكن جمع العلم للمرء رافع
ألم تر آثار ابن إدريس بعده ... دلائلها في المشكلات لوامع
معالم يفنى الدهر وهي خوالد ... وتنخفض الأعلام وهي فوارع
مناهج فيها للهدى متصرف ... موارد فيها للرشاد شرائع
ظواهرها حكم ومستبطناتها  ... لما حكم التفريق فيه جوامع
لرأي ابن إدريس ابن عم محمد ... ضياء إذا ما أظلم الخطب ساطع
إذا المفظعات المشكلات تشابهت ... سما منه نور في دجاهن لامع
أبى الله إلا رفعه وعلوه ... وليس لما يعليه ذو العرش واضع
توخى الهدى واستنقذته يد التقى ... من الزيغ إن الزيغ للمرء صارع
ولاذ بآثار الرسول فحكمه ... لحكم رسول الله في الناس تابع
وعول في أحكامه وقضائه ... على ما قضى في الوحي والحق ناصع
بطيء عن الرأي المخوف التباسه ... إليه إذا لم يخش لبسا مسارع
وأنشا له منشيه من خير معدن ... خلائق هن الباهرات البوارع
تسربل بالتقوى وليدا وناشئا ... وخص بلب الكهل مذ هو يافع
وهذب حتى لم تشر بفضيلة ... إذا التمست إلا إليه الأصابع
فمن يك علم الشافعي إمامه ... فمرتعه في ساحة العلم واسع
سلام على قبر تضمن جسمه ... وجادت عليه المدجنات الهوامع
لقد غيبت أثراؤه جسم ماجد ... جليل إذا التفت عليه المجامع
لئن فجعتنا الحادثات بشخصه ... لهن لما حكمن فيه فواجع
فأحكامه فينا بدور زواهر ... وآثاره فينا نجوم طوالع

وقد يقول القائل: إن ابن دريد لم يدرك الشافعي، فكيف رثاه لكنه يجوز أن يكون رثاه بعد ذلك، فما فيه بعد، فقد رأينا مثل هذا في حق غيره، مثل الحسين، رضي الله تعالى عنه، وغيره.


قال القاضي: وقال بعض أهل العلم بالنسب: وقد وصف الشافعي أنه شقيق رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسبه وشريكه في حسبه لم تنل رسول الله صلى الله عليه وسلم طهارة في مولده وفضيلة في آبائه إلا وهو قسيمه فيها إلى أن افترقا من عبد مناف، فزوج المطلب ابنه هاشما الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف فولدت له عبد يزيد جد الشافعي، وكان يقال لعبد يزيد المحض لا قذى فيه، فقد ولد الشافعي الهاشمان: هاشم بن عبدالمطلب، وهاشم بن عبد مناف.
والشافعي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته.لأن المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشفاء بنت هاشم بن عبد مناف أخت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما أم الشافعي فهي أزدية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الأزد جرثومة العرب "([46]).

ما يتميز به فقه الإمام الشافعي
امتاز الإمام الشافعي عن باقي الأئمة، بتدوينه كتب المذهب بنفسه. كما أنه يعتبر عند جمهور المحققين، أول من كتب في أصول الفقه وشرحها. واعتنى بالقواعد الكلية أكثر من الفروع الفقهية، حيث يرى أن مالكاً أفرط في رعاية المصالح المرسلة، وأبا حنيفة قَصَرَ نظره على الجزئيات والفروع والتفاصيل من غير مراعاة القواعد والأصول. وقام بمصر بإعادة تنقيح كتب المذهب، كما أكثر فيها من مناقشة الخصوم بالحجج والبراهين. وحاول أقصى جهده أن يمزج بين مدرستي الحجاز والعراق، كما حاول أن يمزج بين مدرسة الرأي ومدرسة الأثر. قال الإمام أحمد (كما في ترتيب المدارك 1|91): «ما زلنا نلعن أهل الرأي (الحنفية) ويلعنونا، حتى جاء الشافعي فمزج بيننا». ولذلك تبنى أكثر علماء الحديث مذهب الشافعي. وانتشر مذهبه من خراسان إلى مصر، منافساً مذهبي أبي حنيفة ومالك. حيث تبنته الدولة السلجوقية، وقامت بإنشاء المدارس النظامية، حيث حرص الوزير "نظام الملك" أن يتولى التدريس في تلك المدارس فقهاء شافعية لكن من الأشعرية فقط. وكان الغالب على أهل الشام مذهب الأوزاعي، حتى ولي قضاء دمشق أبو زرعة محمد بن عثمان (ت 281هـ)، فأدخل إليها مذهب الشافعي، وحكم به وتبعه من بعده من القضاة، وكان يهب لمن يحفظ مختصر المزني مئة دينار، فما زال ينتشر بها إلى المئة الرابعة حيث اختفى مذهب الأوزاعي.

ولعل أكثر من نشر مذهبه هو أبو العباس القاضي بشيراز، صنف نحو أربعمئة مصنف، ويلقب بالباز الأشهب، أخذ الفقه عن أبي قاسم الأنماطي وعن أصحاب الشافعي، كالمزني وغيره، وعنه انتشر مذهب الشافعي في الآفاق. قال ابن خلدون في "مقدمته" (ص448): «وأما الشافعي، فمقلدوه بمصر أكثر مما سواها. وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وما وراء النهر، وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار، وعظمت مجالس المناظرات بينهم، وشحنت كتب الخلافيات بأنواع استدلالاتهم. ثم درس ذلك كله بدروس المشرق وأقطاره».

إلا أن مذهب الشافعي انحسر في المشرق، بعد الهجمة المغولية من قِبَل جنكيز خان وهولاغو. حيث قام التتر بتصفية العرب وسلالاتهم من تلك البلدان، وأبادوا الكثير من الفرس كذلك في بلاد ما وراء النهرين. فبقي الأتراك هناك على مذهب أبي حنيفة. ثم نشأت الدولة  الصفوية في إيران، حيث أبادت أهل السنة بالحديد والنار. وقامت لعدة قرون بارتكاب مجازر فظيعة ضد أهل السنة في فارس والعراق، مما تسبب بحرب مع الخلافة العثمانية. ففرض الترك المذهب الحنفي في شمال ووسط العراق (ما عدا جبال كردستان)، وفرض الصفويون المذهب الشيعي الإمامي في فارس وجنوب العراق. وبذلك اختفى المذهب الشافعي من تلك البلاد.

كذلك انقرض فقه أهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة، إلى أن ذهبت دولة العبيديين (أو الفاطميين كما يسمون أنفسهم) على يد صلاح الدين الأيوبي. وكان صلاح الدين كردياً شافعياً، فتبنى المذهب وعيّن القضاة منه. فرجع إليهم فقه الشافعي، فعاد إلى أحسن ما كان ونفقت سوقه. وانتشر أيام الدولة الأيوبية في الشام ومصر والحجاز واليمن. واشتهر منهم محي الدين النووي من الحلبة التي ربيت في ظل الدولة الأيوبية بالشام، وعز الدين بن عبد السلام أيضاً. ولولا صلاح الدين لكاد مذهب الشافعي ينقرض. ثم انتشر من اليمن –عبر تجارة البحر– إلى شرق إفريقيا وجنوب الهند، ثم وصل –بعد عدة قرون– إلى إندونيسيا وماليزيا، حيث قام أهل اليمن بنشر الإسلام هناك. ثم إنه تراجع تدريجياً من الجزيرة العربية، على حساب المذهب الحنبلي، الذي تبنّته الدولة السعودية.
 مكان انتشار مذهب الإمام الشافعي
ويتركز الفقه الشافعي –اليوم– في مصر، وجنوب الشام، واليمن، وشرق إفريقيا، وكردستان، وفي جنوب شرق آسيا (إندونيسيا وماليزيا).
قال الإمام الذهبي في "زغل العلم": «الفقهاء الشافعية أكيس الناس، وأعلم من غيرهم بالدين. فأس مذهبهم: مبني على اتباع الأحاديث المتصلة. وإمامهم من رؤوس أصحاب الحديث، ومناقبه جمة. فإن حصلت يا فلان مذهبه لتدين الله به وتدفع عن نفسك الجهل، فأنت بخير. وإن كانت همتك كهمة إخوانك من الفقهاء البطالين الذين قصدهم المناصب والمدارس والدنيا والرفاهية والثياب الفاخرة، فماذا بركة العلم ولا هذه نية خالصة، بل ذا بيع للعلم بحسن عبارة وتعجل للأجر وتحمل للوزر وغفلة عن الله».


وفاته :
توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى، وقبره يزار بها بالقرب من المقطم، رضي الله عنه.

وحكى الزعفراني عن ابنه أبي عثمان  ابن الشافعي قال: مات أبي وهو ابن ثمان وخمسين سنة([47]).
        قال ابن فرحون : وتوفي الشافعي رحمه الله تعالى - بمصر عند عبد الله بن عبد الحكم وإليه أوصى. وتوفي ليلة الخميس وقيل ليلة الجمعة منسلخ رجب سنة أربع ومائتين. ودفنه بنو عبد الحكم في قبورهم وصلى عليه السري أمير مصر. وكان خفيف العارضين يخضب.

قال الربيع: كنا جلوساً - في موضع - في حلقة الشافعي بعد موته بيسير - فوقف علينا أعرابي فسلم ثم قال: أين قمر هذه الحلقة وشمسها؟ فقلنا: توفي رحمه الله فبكى بكاء شديداً وقال: رحمه الله وغفر له، كان يفتح ببيانه منغلق الحجة ويسد في خصمه واضح المحجة ويغسل من العار وجوهاً مسودة، ويوسع بالرأي أبواباً منسدة ثم انصرف([48]).

قال الربيع بن سليمان المرادي: رأيت هلال شعبان وأنا راجع من جنازته، وقال: رأيته في المنام بعد وفاته فقلت: يا أبا عبد الله، ما صنع الله بك فقال: أجلسني على كرسي من ذهب، ونثر علي اللؤلؤ الرطب.

 وقد اتفق العلماء قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول واللغة والنحو وغير ذلك على ثقته وأمانته وعدالته وزهده وورعه ونزاهة عرضه وعفة نفسه وحسن سيرته وعلو قدره وسخائه([49]).




[1] - تكاد مصادر ترجمته لا تحصر، ولكن نشير منها إلى طبقات السبكي (ج 1)؛ وطبقات الشيرازي: 71 ومعجم الأدباء 17: 281 وحلية الأولياء 9: 63 وتاريخ بغداد 2: 56 وطبقات الحنابلة 1: 280 والفهرست: 209 والديباج: 227 وترتيب المدارك 1: 382 وطبقات ابن هداية الله: 2 وحسن المحاضرة 1: 121 وتذكرة الحفاظ: 361 وتهذيب التهذيب 9: 25 وغاية النهاية 2: 95 وصفة الصفوة 2: 140؛ وقد ألفت في سيرته كتب كثيرة. وفيات الأعيان - (ج 4 / ص 164).
[2] - قد تَرَعْرَعَ الصبيُّ أَي تحرّك ونشأَ وغلامٌ مُتَرَعْرِعٌ أَي مُتَحَرِّك ورَعْرَعَه الله أَي أَنبته
[3] - طبقات الشافعية الكبرى - (ج 1 / ص 146)
[4] - طبقات الشافعية الكبرى - (ج 2 / ص 55)
[5] - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب - (ج 1 / ص 125)
[6] - (سنن الترمذي- مرتبط بالشرح - (ج 12 / ص 449)، المعجم الأوسط للطبراني - (ج 16 / ص 192) ح : 7616. المعجم الأوسط - طبعة دار الحرمين - (ج 7 / ص 144)ح : 7403. قال: وأخرجه الترمذي ، وقال : وقد رُوِي موقوفا على أنس ، وهو عندنا أصح.
[7] - طبقات الشافعية الكبرى - (ج 1 / ص 145) تهذيب التهذيب - (ج 9 / ص 26).
[8] - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - (ج 1 / ص 141)، طبقات الشافعية الكبرى - (ج 1 / ص 143)، طبقات الحنابلة - (ج 1 / ص 111)
[9] - تهذيب الكمال للمزي - (ج 24 / ص 361)
[10] - تهذيب الكمال للمزي - (ج 24 / ص 362)
[11] - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - (ج 1 / ص 141)، طبقات الشافعية الكبرى - (ج 1 / ص 143)، طبقات الحنابلة - (ج 1 / ص 111)
[12] - طبقات الشافعية الكبرى - (ج 2 / ص 55)
[13] - طبقات الشافعية الكبرى - (ج 2 / ص 56)
[14] - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب - (ج 1 / ص 125)
[15] - طبقات الفقهاء - (ج 1 / ص 72)
[16] - طبقات الشافعية الكبرى - (ج 1 / ص 147)
[17] - وروي معناه في عالم قريش في حديث روي عن ابن عباس ، عن علي مرفوعا . وفي حديث آخر روي عن أبي هريرة مرفوعا ، وقد حمله جماعة من أئمتنا على أن هذا العالم الذي يملأ الأرض علما من قريش هو الشافعي ، روي ذلك عن أحمد بن حنبل ، وقاله أبو نعيم عبد الملك بن محمد الفقيه الإستراباذي وغيرهما معرفة السنن والآثار للبيهقي - (ج 1 / ص 120).
[18] - معرفة السنن والآثار للبيهقي - (ج 1 / ص 120). مسند الطيالسي - (ج 1 / ص 318) حلية الأولياء - (ج 3 / ص 97).
[19] - كشف الخفاء - (ج 2 / ص 54).
[20] - ورجاله رجال الصحيح إلا إسماعيل بن مسلم ففيه مقال. وقال البيهقي وابن حجر : طرق هذا الحديث إذا ضمت بعضها إلى أفادت قوة ، وعلم أن للحديث أصلا.
[21] - طبقات الشافعية الكبرى - (ج 1 / ص 148).
[22] - تهذيب الكمال للمزي - (ج 24 / ص 367).
[23] - تهذيب الكمال للمزي - (ج 24 / ص 368).
[24] تهذيب الكمال للمزي - (ج 24 / ص 370).
[25] تهذيب الكمال للمزي - (ج 24 / ص 371).
[26] طبقات الفقهاء - (ج 1 / ص 72).
[27] الجرح والتعديل - (ج 7 / ص 202)
[28] طبقات الحفاظ - (ج 1 / ص 28)
[29] طبقات الفقهاء - (ج 1 / ص 71)
[30] الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب - (ج 1 / ص 125).
[31] الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب - (ج 1 / ص 125)
[32] الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب - (ج 1 / ص 125)
[33] الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب - (ج 1 / ص 125)
[34] ترتيب المدارك وتقريب المسالك - (ج 1 / ص 139) الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب - (ج 1 / ص 126).
[35] الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب - (ج 1 / ص 126).
[36] مسند الطيالسي - طبعة دار المعرفة - بيروت - (ج 1 / ص 39). السنة لابن أبي عاصم - (ج 4 / ص 35)، المقاصد الحسنة - (ج 1 / ص 152)
وعن علي وابن عباس وكلاهما في المدخل للبيهقي وثانيهما عند أحمد والترمذي، وقال: حسن، بلفظ: اللهم اهد قريشاً، فإن علم العلم منهم يسع طباق الأرض، في آخرين. وهو منطبق على إمامنا الشافعي، ويؤيده قول أحمد رحمه الله، كما في المدخل أيضاً: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً أخذت فيها بقول الشافعي، لأنه إمام عالم من قريش، قال: وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: عالم قريش يملأ الأرض علماً انتهى، فما كان الإمام أحمد ليذكر حديثاً موضوعاً يحتج به أو يستأنس به للأخذ في الأحكام بقول شيخه الشافعي، وإنما أورده بصيغة التمريض احتياطاً للشك في ضعفه فإن إسناده لا يخلو من ضعف، قاله العراقي رداً على الصغاني في زعمه: أنه موضوع، بل قد جمع شيخنا طرقه في كتاب سماه لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش حديث: العائلة ولو بنت، في الدين ولو درهم.
[37] والمقصود أن ذلك الزمان لم يكن للقاضي من بيت المال ما يكفيه أو يغنيه فقد كان يعطى كفافا والله أعلم.
[38] ترتيب المدارك وتقريب المسالك - (ج 1 / ص 142) الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب - (ج 1 / ص 126)
[39] تهذيب التهذيب - (ج 9 / ص 27))
[40] على تهذيب التهذيب - (ج 9 / ص 28)
[41] تهذيب التهذيب - (ج 9 / ص 27)
[42] تهذيب التهذيب - (ج 9 / ص 23)..
[43] طبقات الحفاظ - (ج 1 / ص 28) تهذيب التهذيب - (ج 9 / ص 23).
[44] هدية العارفين - (ج 1 / ص 448)
[45] وفيات الأعيان - (ج 4 / ص 166).
[46] تاريخ دمشق - (ج 51 / ص 275). تهذيب الكمال للمزي - (ج 24 / ص 360).
[47] طبقات الفقهاء - (ج 1 / ص 72).
[48] الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب - (ج 1 / ص 126).
[49] وفيات الأعيان - (ج 4 / ص 166)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق