الصلاة من جلوس على الكراسي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المرضي عنهم إلى يوم الدين أما بعد:
فقد قرأنا الفتوى التي وقع عليها عشرة من طلبة العلم والمرفوعة إلى إدارة الأوقاف السنية وتقترح إزالة الكراسي التي يستخدمها المصلون العاجزون عن السجود على الأرض الموجودة في مساجد وجوامع مملكة البحرين ، وتبرير هذه الفتوى ما تمثله هذه الظاهر من خطر كبير يتوقع حدوثه مستقبلا .
إن هذه المسألة من المسائل الخلافية بين العلماء التي إذا لم يسعها رأي فيسعها رأي آخر ، وأن التحكم لا مبرر له لأن هذا اجتهاد ولا يحتج باجتهاد على اجتهاد آخر في المسائل الخلافية .
فما المشكلة وما خطرها وما دليل المانعين ؟ وما دليل المجيزين لهذه الظاهرة؟
أما المانعون فإنهم لم يقدموا للقارئ دليلا من الكتاب أو السنة وإنما قدموا تبريرات وتخوفات لا ترتقي لكي تكون دليلا يعتمد في فتواهم تلك.
لكننا نريد أن نبين لهم ولمن قرا فتواهم بالدليل النقلي أن تلك الفتوى ليست في محلها لأنها تعارض ما ورد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة من نصوص تؤكد على وجوب حضور كل مستطيع إلى المسجد لأداء الصلاة جماعة في المسجد، ومن تلك الأدلة منها ما هو نقلي ومنها ما هو عقلي وإنساني. فأما الأدلة النقلية فهي:
الدليل الأول على الجواز:
أن الجلوس على الأرض أو على الكراسي أو على المصاطب لأداء الصلاة أمر ورد فيه نص شرعي واضح وصريح لا يقبل التأويل ولا الاجتهاد وهو عن عمران بن حصين قال:(سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة المريض فقال:(صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب) سنن الترمذي : 2/208 قال الشوكاني رواه الخمسة إلا مسلم أي أن الحديث صحيح.
ما استفيد من الحديث :
أفاد الحديث الشريف إذن مشروعية الجلوس لأداء الصلاة المفروضة لمن لا يستطع القيام، والقعود هنا جائز أن يكون على الأرض كما قال به الفقهاء رحمهم الله تعالى ، وجائز أن يكون على الكرسي ، لأنه لا مخصص في هذا الحديث لكيفية القعود إلا الفهم والإدراك بأن يكون على الأرض حيث قال له عليه الصلاة : فإن لم تستطع فقاعدا.
وسبب سؤال عمران بن حصين للنبي صلى الله عليه وسلم أنه كانت به بواسير، والجميع يعلم أن البواسير لا تمنع السجود على الأرض ، ولا يتأذى المصلي كما يتأذى المريض بالركب التي يعتمد عليها في القيام والسجود والجلوس بين السجدتين والتشهد والقيام للركعة التالية ، فكان التوجيه النبوي الشريف السمح بأن وجهه أن يصلي قائما وهو الأصل، فإن لم يستطع فقاعدا ، فإن لم يستطع فعلى جنب. وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عام لكل أنواع المرض وليس خاصا بمرض واحد ، فلكل مرض طريقة في القعود لأداء الصلاة.
الدليل الثاني :
وعن ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( يا رسول الله إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة) وفي رواية أخرى : (أن المدينة كثيرة الهوام والسباع ) رواه أبو داود : 1/151.
فهذا رجل أعمى لم يرخص له النبي صلى الله عليه وسلم ترك صلاة الجماعة فكيف لنا أن نرخص للقادرين على الحضور ويستطيعون المشي إلى المساجد، لكن يمنعهم ثني ركبهم للسجود والجلوس بين السجدتين ثم القيام للركعة التالية؟ أليس عمى البصر أشد شأنا من مرض الروماتزم واحتكاك المفاصل . ومع هذا فلم يجد له النبي صلى الله عليه وسلم رخصة لترك الحضور لصلاة الجماعة.
الدليل الثالث :
قوله صلى الله عليه وسلم:( إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) واه مسلم:4/1830 فالمسلم مطالب بأداء ما يمكنه أداؤه من الأوامر الشرعية ، وبالكيفية التي يستطيعها من غير إحراج أو مشقة ، ومادام إخواننا من أصحاب الأعذار قادرين على الحضور إلى المساجد ولا يمكنهم السجود والجلوس إلا بالإيماء من جلوس على الكراسي فذلك لهم . قال الله تعالى:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا }(البقرة: من الآية286) وهذا ما يسعهم لأداء الصلاة فلماذا التشديد على عباد الله تعالى. فإن رحمة الله قريب من المحسنين.
الدليل الرابع وهو مكمل لسابقه :
إن الجلوس على الكراسي لأداء الصلاة لمن بهم تلك الآلام إنما هي سنة التيسير النبوية على عباد الله تعالى ، المتمثلة في التوجيه الشريف العظيم الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم : (يسروا ولا تعسروا )رواه البخاري : 1/38 . وقوله عليه الصلاة السلام : (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة). رواه البخاري :1/23 . فمن التيسير أن يصلي المسلم كيفما أمكنه وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم في التيسير على أمته. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما) رواه مسلم : /1813.
وأما سبب الصلاة من جلوس على الكراسي فسببه العجز عن السجود والجلوس للتشهد الذي يزداد فيه الألم على المريض ، وتزداد المشقة عليه لهذا السبب ، أما الاستشهاد بقدرة أمثال هؤلاء على الذهاب والإياب والحركة فليس في هذا دليل على عدم القدرة على السجود، لأننا نعلم أن المريض بالركب يستطيع المشي والقيام ولكنه لا يستطيع السجود والجلوس للتشهد وربما القيام مرة أخرى لباقي الركعات.
وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عام في كل جلوس ييسر للمصلي أداء صلاته المفروضة ، وما زاد على ذلك من اشتراط الفقهاء رحمهم الله تعالى أن يجلس متربعا أو كجلوسه للتشهد أو أن يجلس مادا رجليه إلى جهة القبلة فكلها اجتهادات، وكلها من أجل التيسير على المسملين .
أما كون هذه الظاهرة حديثة لم تكن في السلف فليس دليل شرعي ، والتخوف أن تكون بعد عشر سنوات أو عشرين سنة متبعة فهذا مجرد تخوف لا مبرر له لأن أي شاب قادر على أداء الصلاة قائما يربأ بنفسه أن يعير بالعجز أو الشيخوخة في سن مبكرة ، كما أن المعلوم أن الوقوف ركن من أركان الصلاة ، والإيماء للركوع والسجود جائز لمن لم يستطعهما.
ولقد امتنع أقوام عن حضور الجماعات بسبب الحياء من الناس أن يروهم يصلون من قعود، فلما فتح الله على بعض طلبة العلم وأجازوا لهم الجلوس على الكراسي صاروا يرتادون المساجد لأداء الجمعة والجماعات من غير حياء أو خجل فكسبوا أجرهما ، إذن لماذا يسعى بعض طلبة العلم اليوم إلى إعادتهم إلى بيوتهم ومنعهم مساجد الله ، ومنعهم الأجر الجزيل على المشي إلى المساجد ، وأجر الصلاة مع الجماعة ، واللقاء بإخوانهم المسلمين في بيوت الله تعالى. ولا يخفى ما في اللقاء بإخوانهم المسلمين من علاج نفسي وروحي وتواصل دعا إليه الإسلام. بالإضافة لما يشعر به المسلم من الراحة والطمأنينة والسكينة والخشوع في بيت الله سبحانه وتعالى.
وهل استخدام الكراسي التي لا يزيد قيمتها عن دينار وخمسة دنانير من تزيين المساجد وزخرفتها؟؟؟ إنه أمر عجاب!!!
أما السجود وبعض أقدام الجالسين على الكراسي عند وجوه المسلين فهذا غير صحيح بالملاحظة لموضع الكرسي وموضع القدمين وموضع ا لوجه في حال السجود ، كما أن هذا لا حرج فيه لأن المصلي في حد ذاته يضع جبهته على الأرض التي يطأها المسلمون بأقدامهم في كل حين فهذه دعاوى لا ترجح وجهة نظر إخواننا في الله الذين وقعوا على تلك الفتوى.
إنه لو اقترح هؤلاء أن توضع الكراسي على جانبي الصفوف لكان أولى من اقتراحهم بإزالتها ومنع فئة من عباد الله عن ارتياد المساجد ، أو تحميلهم ما لا يطاق وذلك من أجل عدم قطع الصفوف ، وعدم استقامة الصف لأن الذي يصلي على الكرسي في الواقع يكون متقدما شكلا على الواقفين في الصف ، لكن حقيقة هو في نفس الصف.
وكما قلت سابقا هذا الأمر من المسائل التي اجتهد فيها العلماء والأمور الاجتهادية فيها سعة على المسلمين والله أعلم
د . أحمد محمود آل محمود
كلية الآداب جامعة البحرين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق