الخميس، 23 يوليو 2015

(الحلقة الثانية) أدلة الجمهور من السلف القائلون بوصول ثواب قراءة القرآن للمتوفى


الحلقة الثانية

أدلة الجمهور من السلف القائلين بوصول ثواب قراءة القرآن للميت

استدل جمهور الفقهاء والسلف القائلون بوصول ثواب القراءة للميت بآيات من كتاب الله سبحانه وتعالى وأحاديث صحيحة عامة وخاصة تدل على وصول ثواب عمل الآخرين إلى الميت ومنها:

أولا : قول الله تعالى:{ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ }([1]).
فقد أفادت هذه الآية الكريمة أن الله جل جلاله قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، وهذا فيه دلالة واضحة على انتفاعهم بهذا الاستغفار.
قال الإمام الرازي في تفسيره للآية الكريمة : دلت الآية على أنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يستغفر لكل المؤمنين والمؤمنات وقد بينا في تفسير قوله تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ( البقرة 3 ) أن صاحب الكبيرة مؤمن وإذا كان كذلك ثبت أن محمداً صلى الله عليه وسلم استغفر لهم وإذا كان كذلك ثبت أن الله تعالى قد غفر لهم وإلا لكان الله تعالى قد أمره بالدعاء ليرد دعاءه، فيصير ذلك محض التحقير والايذاء وهو غير لائق بالله تعالى ولا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فدل على أن الله تعالى لما أمر محمداً بالاستغفار لكل العصاة فقد استجاب دعاءه، وذلك إنما يتم لو غفر لهم([2]).
ثانيا : قول الله تعالى:{ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ }([3]).

وقد أفادت الآية الثانية مشروعية الدعاء من أحياء المسلين لأمواتهم، قال الإمام الرزي: واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين لأنهم إما المهاجرون أو الأنصار أو الذين جاءوا من بعدهم وبين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة ([4]).

ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة حين مات وللميت الذي صلي عليه في حديث عوف بن مالك، ودعا لكل ميت صلي عليه([5]).

وأما الأدلة من السنة الشريفة فأحاديث كثيرة صحيحة عامة وخاصة تدل على وصول ثواب عمل الآخرين إلى الميت منها:

أولا : صدقة التطوع عن الميت
فعن عائشة رضي الله عنها أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( يا رسول الله إن أمي افتلتت([6]) نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟  قال: نعم)([7]).
فقد أفاد الحديث الشريف أن من تصدق عن ميته وفي ثوابه فإن ثواب الصدقة تصل إلى هذا الميت.

ثانيا : الحج الواجب عن الميت
جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:( يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى)([8]).

وقد دل الحديث الشريف على جواز قضاء الدين عن الميت سواء كان ماديا أو من العبادات التي لم يستطع المسلم أداءها لأي عذر. وبهذا يخفف الحساب عن الميت فيما بقي في ذمته من ديون الناس أو من العبادات.

ثالثا: صيام رمضان عن الميت
وقال للذي سأله:( إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها قال: نعم) ([9]).

فهذه أحاديث صحاح وفيها دلالة على انتفاع الميت بعمل غيره،  لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية وقد أوصل الله نفعها إلى الميت فكذلك ما سواها.

رابعا: عموم الخيرات عن الميت
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص:( لو كان أبوك مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك)([10]).

وهذا عام في حج التطوع وغيره ولأنه عمل بر وطاعة فوصل نفعه وثوابه كالصدقة والصيام والحج الواجب.

خامسا: الصلاة للميت
ومنها: وصول ثواب الصلاة عن الميت، روى الدار قطني أن رجلا قال: يا رسول الله إنه كان لي أبوان أبرهما في حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال صلى الله عليه وسلم:( إن من البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك)([11]).

سادسا: أداء النذر عن الميت:
ومن الأعمال التي يصل ثوابها للميت، أداء النذر الذي في ذمته إذا لم يوف به حال حياته، فعن ابن عباس عند البخاري ومسلم أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، فقال:( أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم قال: فصومي)([12]).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ([13]).

سابعا: الأضحية عن الأحياء والأموات
وأخرج الهيتمي عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين فإذا صلى وخطب أتى بأحدهما وهو في مصلاه فذبحه ثم قال: اللهم هذا عن أمتي جميعا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ) ولما ذبح الثاني قال:( اللهم هذا عن محمد وآل محمد، فيطعمهما جميعا المساكين ويأكل هو وأهله منهما، قال: فلبثنا سنين ليس أحد من بني هاشم يضحي، قد كفانا الله برسول الله صلى الله عليه وسلم الغرم والمؤونة)([14])، وغيرهما وإسناد أحمد والبزار حسن،  وفيه إشارة إلى أن الإنسان ينفعه عمل غيره([15]).

يلاحظ في هذا الحديث والأحاديث الأخرى أن أضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن أمته وعن آل بيته ليست من عملهم ومع ذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم ثواب ذلك إليهم، فما الفرق بين الأضحية والحج والصيام والصدقة وبين قراءة القرآن الكريم؟.

فهذه أدلة صحيحة على أن عمل غير الميت يصل ثوابه إليه، فكل ما ذكر من الحج والصيام والصلاة والصدقة والنذر ليست من أعمال الميت إنما هي من أعمال الآخرين ومع ذلك يصل ثوابها إلى الميت بمقتضى صريح الأحاديث والأخبار الصحيحة، فما المانع من وصول ثواب قراءة القرآن للميت وهو من أعمال الآخرين.
كما أنه لم يرد نهي عن فعل ذلك ولو ورد نهي لكان للمانعين حجة فيما ذهبوا إليه.

أدلة أخرى:
ثامنا: قراءة سوة يسين على الموتى
واستدل أيضا بقراءة يس من الولد وغيره لحديث:( اقرأوا على موتاكم يس)([16])، وهو شامل للميت بل هو الحقيقة فيه. ومن قال أنه خاص للمحتضر الذي قاربته الموفاة فليس كذلك، لأته مادام يحتضر لا يقال له ميت، إنما الميت من خرجت روحه من جسده. فهذا الخبر فيه دلالة واضحة على صحة جواز قراءة سورة يس بعد وفاة الإنسان واللفظ يحتمل هذا المعنى، واقتصاره على المحتضر تحكم.

تاسعا: الدعاء من الولد لوالده
واستدلوا أيضا بالدعاء من الولد وغيره لحديث: ( أو ولد صالح يدعو له). سبق تخريجه. فدعاء الولد ليس من عمل الميت ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يرفع درجاته أو يخفف عنه بسبب دعاء الولد له.

عاشرا: الاستغفار للميت
 وكذلك يستدل بحديث (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت)([17])، فالاستغفار من الآخرين ليس من عمل الميت، فجميع ما يفعله الولد لوالديه من أعمال البر يصل ثوابها إلى الميت.

حادي عشر: زيارة المقابر والقراءة لهم
وأخرج أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني في فوائده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( من دخل المقابر ثم قرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد وألهاكم التكاثر ثم قال: إني جعلت ثواب ما قرأت من كلامك لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات كانوا شفعاء له إلى الله تعالى)([18]).

ثاني عشر: قراءة يسين لمن دخل المقابر
 وبما أخرج صاحب الخلال بسنده عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم وكان له بعدد من فيها حسنات)([19]).

وهذه الأحاديث وإن كانت ضعافا فمجموعها يدل على أن لذلك أصلا، ولو لم يكن لها أصل كما يرى بعض شراح الحديث، فإن النصوص الصحيحة دالة على أن الميت يصل إليه ثواب عبادات أخرى، وقراءة القرآن عبادة فما الذي يمنع وصول ثواب عبادة دون عبادة أخرى؟.

ثانيا : الدليل العقلي
  واستدلوا على وصول ثواب القراءة أيضا بالقياس على الدعاء والصدقة والصوم والحج والعتق فإنه لا فرق في نقل الثواب بين أن يكون عن حج أو صدقة أو وقف أو دعاء أو قراءة قرآن، فما الفرق بين هذه جميعا وبين قراءة القرآن الكريم وإهداء ثوابه إلى الميت وكلها ليست من عمل الميت إنما هي من عمل غيره ؟.

وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم بوصول ثواب الصوم الذي هو عبادة أساسها يقوم على مجرد الترك والنية التي تقوم بالقلب ولا يطلع عليه إلا الله، فقراءة القرآن التي هي عبادة أساسها عمل باللسان وتسمعه الأذان ونية في القلب، فوصول ثوابه يكون بطريق الأولى.

وصول ثواب العقوبة:
قال ابن قدامة الحنبلي: وقد صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه([20])، والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إلى الميت ويحجب عنه المثوبة، ولأن الموصل لثواب ما سلموه من العبادات الأخرى قادر على إيصال ثواب ما منعوه من القراءة للقرآن الكريم.

كما أنه لا حجة لهم في الخبر الذي احتجوا به فإنما دل على انقطاع عمله، فلا دلالة فيه على عدم وصول الثواب إلى الميت بقراءة القرآن لأن القرآن الكريم أيضا عبادة من العبادات المشروعة([21]).

ثالثا : الأدلة من الآثار:
 استدلوا أيضا بما روي من الآثار بما أخرج أبو محمد السمرقندي في فضائل قل هو الله أحد عن علي مرفوعا قوله: من مر على المقابر وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات([22]).

قال ابن قدامة: ولا بأس بالقراءة عند القبر وقد روي عن أحمد أنه قال: إذا دخلتم المقابر اقرؤوا آية الكرسي وثلاث مرار قل هو الله أحد الإخلاص، ثم قل: اللهم إن فضله لأهل المقابر. وروي عنه رواية أخرى أنه قال: القراءة عند القبر بدعة([23]).

وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله، أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافا إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة([24]).

وقال بعضهم إذا قرئ القرآن عند الميت أو أهدي إليه ثوابه كان الثوب لقارئه ويكون الميت كأنه حاضرها وترجى له الرحمة([25]). 

الإمام أحمد يتراجع عن فتواه :
وروى جماعة أن أحمد نهى ضريرا أن يقرأ عند القبر، وقال له: إن القراءة عند القبر بدعة، فقال له محمد بن قدامة الجوهري: يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر؟ قال: ثقة. قال: فأخبرني مبشر عن أبيه أنه أوصى إذا دفن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك، قال: أحمد بن حنبل فارجع فقل للرجل يقرأ([26]).

 وقال الخلال حدثني أبو علي الحسن بن الهيثم البزار شيخنا الثقة المأمون قال رأيت أحمد بن حنبل يصلي خلف ضرير يقرأ على القبور.

ويستفاد من هذه الرواية أنه لو كانت قراءة القرآن وإهداء ثوابها للأموات بدعة لما صلى الإمام أحمد خلف ضرير لأنه مبتدع بقراءته للقرآن على القبور، وما كان الإمام أحمد يصلي خلف مبتدع([27]).

قال أحمد : الميت يصل إليه كل شئ من الخير للنصوص الواردة فيه ، حتى لو أهداها للنبى صلى الله عليه وسلم جاز ووصل إليه الثواب([28]).
    
وعن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه عند الطبراني قال: قال لي اللجلاج: يا بني إذا أنا مت فألحدني فإذا وضعتني في لحدي فقل بسم الله وعلى ملة رسول الله ثم شن علي التراب شنا ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك([29]).




[1] - (محمد: من الآية19)
[2] - التفسير الكبير: 3/58
[3] - (الحشر: من الآية10)
[4] - التفسير الكبير:29/251.
[5] - المغني : 2/224 .
[6] - توفاها الله .
[7] - رواه مسلم : 2/696، البخاري : 1/467.
[8] - البخاري / 2/656.
[9] - صحيح البخاري : 2/690، صحيح مسلم : 2/690.
[10] - سنن أبي داود : 3/118. سنن البيهقي الكبرى : 6/279.
[11] - عمدة القارئ3/119.
[12] - الجمع بين الصحيحين: 2/8.
[13] - متفق عليه صحيح البخاري 2/690 ، مسلم : 2/803  .
[14] - مجمع الزوائد 4/22.السنن الكبرى : 3/66، سنن ابن ماجه :2/1043
[15] - سبل السلام: 2/118- 119.
[16] - صحيح ابن حبان : 7/269.
[17] - سنن أبي داود: 3/215. سنن البيهقي الكبرى : 4/56 .
[18] - تحفة الأحوذي: 3/275.
[19] - تحفة الأحوذي: 3/275.
[20] - صحيح مسلم: 2/638، البخاري: 1/432.
[21] - المغني: 2/225.
[22] - كنز العمال :15/1018 ح: 42596. وتحفة الأحوذي:3/275، وزعم الألباني وحده – رحمه الله - حسب علمي دون غيره من علماء الأمة ومحدثيها أن هذا الخبر موضوع، أنظر السلسلة الضعيفة:7/278.ح: 3277 .
[23] - المغني : 2/423، الشرح الكبير : 2/417،الإنصاف : 2/558
[24] - المغني : 2/224 .
[25] - المغني : 2/225.
[26] - المغني 2/225 . الشرح الكبير : 2/417،الروض المربع : 1/187، نيل الأوطار : 4/127 و 4/472.
[27] - المغني : 2/224 . الشرح الكبير : 2/417
[28] - المغني : 2/224 . الروض المربع : 1/187
[29] - نيل الأوطار : 4/127، 7/472.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق