الأحد، 12 يوليو 2015

مكانة الصحابة في القرآن الكريم (6)


مكانة الصحابة في القرآن الكريم (6)
الآية السادسة
تمكين المهاجرين في الدنيا وفي الآخرة أجر عظيم :
قال الله جل جلاله:{ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  (النحل:41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }  (النحل:42)
الحديث في هذه الآية عن المهاجرين من مكة إلى المدينة اتباعا لأمر الله تعالى ووعد الله تعالى لهم موعدين الأول: التمكين في الارض بأن يكونوا خلفاء الأرض وتصبح لهم دولة مهابة الجانب وقد كانوا وسادوا ، والثاني : الأجر العظيم في اللآخرة بالفوز بالجنة ونعيمها الابدي الذي لا يزول ولا يحول بإذن الله تعالى. وأن هذا التمكين ليس لهم فقط بل هو لكل من سلك مسلكهم في الدنيا وسار على نهجهم بأن ينالوا الفضيلتين إن شاء الله تعالى.

أقوال المفسرين في هذه الآية :
        قال الطبري في تفسيره : وقوله { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } يقول تعالى ذكره : والذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم ، إلى آخرين غيرهم ، { مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} ، يقول : من بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكاره في ذات الله،        { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} أي لنسكننهم في الدنيا مسكنا يرضونه صالحا. تفسير الطبري 14/106

ويروي ذلك عن قتادة قوله : { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } قال هؤلاء أصحاب محمد ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طوائف منهم بالحبشة ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة وجعل لهم أنصارا من المؤمنين. وكذلك عن الشعبي  { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً}  قال المدينة .

  وعن ابن عباس قوله { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } قال : هم قوم هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة بعد ظلمهم وظلمهم المشركون .


الرزق الحسن في الدنيا :
وقال آخرون : عنى بقوله  { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } لنرزقنهم في الدنيا رزقا حسنا  روى ذلك عن مجاهد لنبوئنهم لنرزقنهم في الدنيا رزقا حسنا   تفسير الطبري : 14/107

وعن العوّام عمن حدثه أن عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ذخره لك في الآخرة أفضل   ثم تلا هذه الآية { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }، ثم قال رحمه الله : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال معنى لنبوئنهم لنحلنهم ولنسكننهم ، لأن التبوأ في كلام العرب الحلول بالمكان والنزول به ،  ومنه قول الله تعالى {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} . تفسير الطبري : 14/107

وقيل إن هذه الآية نزلت في أبي جندل بن سهيل ،  روي ذلك عن داود بن أبي هند ، قال : نزلت {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} إلى قوله { وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } في أبي جندل بن سهيل   وقوله {وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} يقول: ولثواب الله إياهم على هجرتهم فيه في الآخرة أكبر لأن ثوابه إياهم هنالك الجنة التي يدوم نعيمها ولا يبيد. تفسير الطبري : 14/107

ثم قال وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل فعن قتادة قال : قال الله : {وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أي والله لما يثيبهم الله عليه من جنته أكبر لو كانوا يعلمون . تفسير الطبري : 14/108

{ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }    يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين وصفنا صفتهم وآتيناهم الثواب الذي ذكرناه الذين صبروا في الله على ما نابهم في الدنيا   وعلى ربهم يتوكلون يقول وبالله يثقون في أمورهم وإليه يستندون في نوائب الأمور التي تنوبهم . تفسير الطبري : 14/108.

        قال البيضاوي في تفسيره : { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً }    هم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرون ، ظلمهم قريش ، فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة ، وبعضهم إلى المدينة ، أو المحبوسون المعذبون بمكة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم بلال وصهيب وخباب وعمار وعابس وأبو جندل وسهيل رضي الله تعالى عنهم .

وقوله : {في الله}  أي في حقه ولوجهه  لنبوئنهم في الدنيا حسنة  مباءة حسنة وهي المدينة أو تبوئة حسنة  {ولأجر الآخرة أكبر}  مما يعجل لهم في الدنيا . {لو كانوا يعلمون}   الضمير للكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين ، لوافقهم أو للمهاجرين أي لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم ،  الذين صبروا  على الشدائد كأذى الكفار ومفارقة الوطن ، وعلى ربهم يتوكلون، منقطعين إلى الله مفوضين إليه الأمر كله . تفسير البضاوي : 3/399

        قال القرطبي في تفسير هذه الآية : قوله تعالى  { والذين هاجروا في الله   من بعد ما ظلموا} الهجرة : هي ترك الأوطان والأهل والقرابة في الله أو في دين الله ، وترك السيئات، { لنبوئنهم في الدنيا حسنة} ، في الحسنة ستة أقوال : الأول : نزول المدينة ، قاله ابن عباس والحسن والشعبي وقتادة . الثاني: الرزق الحسن ، قاله مجاهد ، الثالث : النصر على عدوهم ، قاله الضحاك ، الرابع : إنه لسان صدق ، حكاه ابن جريج ، الخامس : ما استولوا عليه من فتوح البلاد ، وصار لهم فيها من الولايات ، السادس : ما بقي لهم في الدنيا من الثناء ، وما صار فيها لأولادهم من الشرف ، وكل ذلك اجتمع لهم بفضل الله والحمد لله ، {ولأجر الآخرة أكبر} أي ولأجر دار الآخرة أكبر من أن يعلمه أحد قبل أن يشاهده ، قال الله تعالى: {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا}، { لو كانوا يعلمون} أي لو كان هؤلاء الظالمون يعلمون ذلك ، وقيل:  هو راجع إلى المؤمنين ، أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا.

قوله تعالى  {الذين صبروا } على دينهم ، {وعلى ربهم يتوكلون} في كل أمورهم ، وقال بعض أهل التحقيق  خيار الخلق من إذا نابه أمر صبر ، وإذا عجز عن أمر توكل ، تفسير القرطبي : 10/107

وأختلف في معنى الحسنة هنا فقالت فرقة : الحسنة عدة ببقعة شريفة وهي المدينة ، وذهبت فرقة إلى أن الحسنة عامة في كل أمر مستحسن يناله ابن أدم ، ويدخل في هذا القول النصر على العدو ، وفتح البلاد وكل أمل بلغه المهاجرون ، والضمير في يعلمون عائد على كفار قريش. تفسير الثعالبي : 2/309 .

وقوله {الذين صبروا} من صفة المهاجرين:{والذين هاجروا في الله}  أي في شأن الله تعالى ورضاه وفي حقه ولوجهه ، {من بعد ما ظلموا}    ولعلهم الذين ظلمهم أهل مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخرجوهم من ديارهم ، فهاجروا إلى الحبشة ، ثم بوأهم الله تعالى المدينة حسبما وعد بقوله سبحانه { لنبوئنهم في الدنيا حسنة}  أي مباءة حسنة أو توئة حسنة كما قال قتادة ، وهو الأنسب بما هو المشهور من كون السورة غير ثلاث آيات من آخرها مكية .

 وأما ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنها نزلت في صهيب وبلال وعمار وخباب وعايس وجبير وأبي جندل بن سهيل أخذهم المشركون ، فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام،  فأما صهيب فقال لهم: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم ، وإن كنت عليكم لم أضركم ، فافتدى منهم بماله وهاجر،  فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه ، قال : ربح البيع يا صهيب ، وقال عمر رضي الله عنه : نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ، {حسنة } أو لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة ، وهي الغلبة على من ظلمهم من أهل مكة،  وعلى العرب قاطبة وأهل الشرق والغرب كافة ، {ولأجر الآخرة}  أي أجر أعمالهم المذكورة في الآخرة أكبر مما يعجل لهم في الدنيا ، { لو كانوا يعلمون}  الضمير للكفار أي لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم في الدين،  وقيل للمهاجرين. أي لو علموا ذلك لزادوا في الاجتهاد أو لما تألموا لما أصابهم من المهاجرة وشدائدها،   {الذين صبروا}  على الشدائد من أذية الكفار ، ومفارقة الأهل والوطن ، وغير ذلك {وعلى ربهم}  خاصة  {يتوكلون}  منقطعين إليه تعالى معرضين عما سواه مفوضين إليه الأمر كله . تفسير أبي السعود : 5/116 .

ما يستفاد من الاية
وعد الله تعالى المهاجرين وعدين الأول: التمكين في الأرض بأن يكونوا خلفاء الأرض وتصبح لهم دولة مهابة الجانب وقد كانوا وسادوا ، والثاني : الأجر العظيم في اللآخرة بالفوز بالجنة ونعيمها الابدي الذي لا يزول ولا يحول بإذن الله تعالى. وأن هذا التمكين ليس لهم فقط بل هو لكل من سلك مسلكهم في الدنيا وسار على نهجهم بأن ينالوا الفضيلتين إن شاء الله تعالى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق