ما يرجح الروايات الدالة على التمسك بالسنة
الآيات الواردة في وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم :
والآن سوف أقوم باستعراض الآيات القرآنية التي تأمر باتباع كتاب الله تعالى وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم
الآية الأولى :
قال الله تعالى : { قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } ([1])
واضح من هذا النص أن الطاعة الواجبة إنما هي لله والرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن تولى عن طاعة الله تعالى وعن طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه من الكافرين .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب الله ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين: الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته . ([2])
الآية الثانية :
وقال جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }.([3])
قال الطبري في تفسير هذه الآية: يعني بذلك جلّ ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته.
ثم استشهد بالحديث الآتي : حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللّهَ وَمَنْ أطاعَ أمِيري فَقَدْ أطاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللّهَ وَمَنْ عَصَا أمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي».
ثم قال : والصواب من القول في ذلك أن يقال: هو أمر من الله بطاعة رسوله في حياته فيما أمر ونهى، وبعد وفاته في اتباع سنته؛ وذلك أن الله عمّ بالأمر بطاعته ولم يخصص ذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يخصّ ذلك ما يجب التسليم له.([4])
فهذه الآية أشارت إلى أن الرد إلى الله جل جلاله والرسول عليه الصلاة والسلام عند الاختلاف هو دلالة الإيمان بالله واليوم الآخر.
الآية الثالثة :
وقال سبحانه : { قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ } ([5])
قال الطبري في تفسير هذه الآية :
قُلْ يا مـحمد لهؤلاء الـمقسمين بـالله جهد أيـمانهم لئن أمرتهم لـيُخرجُنّ وغيرهم من أمتك: أطِيعُوا اللّهَ أيها القوم فـيـما أمركم به ونهاكم عنه. وأطِيعُوا الرَّسُولَ فإن طاعته لله طاعة. فإن تَوَلَّوْا يقول: فإن تُعْرِضوا وتُدْبِروا عما أمركم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نهاكم عنه، وتأبَوا أن تُذْعنوا لـحكمه لكم وعلـيكم. فإنَّـمَا عَلَـيْهِ ما حُمِّلَ يقول: فإنـما علـيه فعل ما أُمِر بفعله من تبلـيغ رسالة الله إلـيكم، علـى ما كلَّفه من التبلـيغ. وَعَلَـيْكُمْ ما حُمِّلْتُـمْ يقول: وعلـيكم أيها الناس أن تفعلوا ما أَلزمكم وأوجب علـيكم من اتبـاع رسوله صلى الله عليه وسلم والانتهاء إلـى طاعته فـيـما أمركم ونهاكم ([6]).
وقوله وإن تطيعوه تهتدوا دال على أن الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم واجبة في حال حياته وبعد مماته . وفي طاعته صلى الله عليه وسلم الهداية والتوفيق .
الآية الرابعة :
{ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }([7])
وفي هذه الآية دعوة للذين يزعمون أنهم يحبون الله تعالى يوجوب حب محمد صلى الله عليه وسلم وليس أدل على الحب من الاتباع لسنته والسير على طريقته . وأن من أرد أن يحبه الله تعالى فليطع الرسول عليه الصلاة والسلام كما أن في اتباعه مغفرة من الله تعالى للذنوب .
وسنته واضحة مدونة ، فحصت وغربلت حتى علم صحيحها من ضعيفها من موضوعها حتى أصبحت كالشمس في وضوح ما اشتملت عليه من أحكام .والعامل بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام ولو أخطاء في المعرفة لكنه لن يضل عن الطريق فسرعان ما سيعود إلى الحق .
الآية الخامسة :
وقال جل جلاله :
{ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ }.([8])
قال الطبري :
يقول تعالـى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله أطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ فـيـما أمركم به وفـيـما نهاكم عنه. وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ يقول: ولا تُدْبِرُوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مخالفـين أمره ونهيه، وأنتـم تسمعون أمره إياكم ونهيه، وأنتـم به مؤمنون.([9])
الآية السادسة :
القول فـي تأويـل قوله تعالى: { يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } ([10])
وفي هذه الآية دلالة على أن الامتناع عن طاعة الله والرسول إبطال للأعمال العبادية والصالحات جميعها مثلها مثل أعمال الكافرين .
الآية الثامنة :
وقال جل جلاله : { وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }([11])
قال الطبري : وقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ يقول: وخافوا الله، واحذروا عقابه في خلافكم على رسوله بالتقدّم على ما نهاكم عنه، ومعصيتكم إياه إنَّ الله شَدِيدُ العِقابِ يقول: إن الله شديد عقابه لمن عاقبه من أهل معصيته لرسوله صلى الله عليه وسلم([12]).
فمن خالف السمع والطاعة للرسول عليه الصلاة والسلام وارتكب ما نهاه عنه فهو واقع تحت طائلة العقاب الشديد يوم القيامة وربما في الدنيا أيضا .
فمجموع النصوص الواردة في كتاب الله تعالى تؤكد على وجوب طاعة الله تعالى ثم طاعة رسوله صلى الله عليه ، وهذا هو الأحق أن يتبع.
وبعد فإننا إذا نظرنا في الآيات الواردة في الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، لا نجد أن المراد طاعته في حال حياته فقط إنما طاعته حتى بعد مماته كذلك وإلا فلا معنى للطاعة المؤقتة لأن ذلك يمنع من استمرار حياة هذا الدين بل انتهاؤه من الوجود بسبب عدم طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام .
الآية التاسعة :
{ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.
قال القرطبي احتجّ الفقهاء على أن الأمر على الوجوب. ووجهها أن الله تبارك وتعالى قد حذّر من مخالفة أمره، وتوعّد بالعقاب عليها بقوله: { أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فتحرُم مخالفته، فيجب امتثال أمره. والفتنة هنا القتل؛ قاله ابن عباس. عطاء: الزلازل والأهوال. جعفر بن محمد: سلطان جائر يُسلّط عليهم. وقيل: الطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول.
فالآيات جميعها وردت في وجوب طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام وعدم معصيته بل جعلت طاعة الرسول طاعة لله تعالى ، ومحبة الرسول عليه الصلاة والسلام محبة له جل جلاله ، وهذا كله يعني الاستمرارية والديمومة حتى قيام الساعة . وقد علمنا أن السنة قد حفظت ثم دونت في الكتب وغربلت وأخرج منها ما هو ضعيف أو موضوع ، وعرف درجة ما هو صحيح أو حسن ، وذلك بدراسة الرجال الذين رووا تلك الأحاديث من حيث عدالتهم وضبطهم وحفظهم من غير شذوذ فيهم أو وجود علة قادحة تقدح في التوثق منهم .والأكبر من هذا كله موافقة رواياتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ورد في كتاب الله تعالى ، ثم للعقل أيضا الذي هو التكليف في الإسلام .
وفي الحلقة الخامسة سنتحدث فيها عن الروايات الصحيحة في التمسك بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
[1] - آل عمران 32 .
[2] - ابن كثير - تفسير القرآن العظيم ، سورة آل عمران /32 .
[3] - النساء /59 .
[4] - تفسير الطبري :5/147
[5] - النور/54 .
[6] - تفسير الطبري :18/158 . وانظر ابن كثير 4/376 .
[7] - آل عمران /31 .
[8] - الأنفال /20 .
[9] - تفسير الطبري :9/210 .
[10] - محمد / 33 ،34 .
[11] - الحشر /7
[12] - تفسير الطبري : 28/40
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق