آراء فقهاء السلف في
وصول ثواب قراءة القرآن إلى الأموات
الحلقة الأولى
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين المرضي عنهم إلى يوم الدين، فرضي الله عنهم بما قدموا أنفسهم وأموالهم ودماءهم رخيصة في سبيل نصرة الإسلام ونصرة رسول الإسلام محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، ورضوا عنه أن هداهم ووفقهم لذلك إنه الكريم المنان.
رأيت في هذا البحث أن أبين لإخواننا ولأبنائنا المسلمين موقف علماء الأمة وفقهائها السلفيون من وصول ثواب قراءة القرآن للميت الذي تقرأ لأجله الختمات المعتادة في اليوم الثالث، أو في أي وقت عند زيارة الموتى في المقابر حتى يفعلها من يحب وهو مقتنع بوصول قراءته إن شاء الله تعالى للأموات من غير تحرج من منكر يفعله أو بدعة يقدم عليها، فإنما نستلهم أمور ديننا من كتاب ربنا سبحانه وتعالى، ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فيما ورد فيه نص، أما ما لم يرد فيه نص فنقتفي أيضا سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم التي أقرها، بأننا إذا لم نجد نصا في كتاب الله ولا سنة نبيه عليه الصلاة والسلام اجتهدنا، حيث أقر بعض صحابته الكرام على بعض اجتهاداتهم، وكذلك أقر بعض من ولاهم بعض الولايات في حياته أن يجتهدوا ولا يترددوا رضي الله عنهم.
ومصداق ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما بعث معاذا إلى اليمن فقال له: (كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله)([1]).
فقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه بصحة الاجتهاد فيما ليس فيه نص. وبهذا الفهم أخذا الخلفاء الراشدون الأربعة ثم الأئمة الأربعة ثم من تبعهم من علماء الأمة إلى يومنا هذا. وتوقف أقوام عن الاجتهاد فتوقفوا عند النصوص الكريمة التي بين أيديهم من الكتاب والسنة، وجعلوا ما حدث بعد ذلك كله من البدع.
ولا شك أننا لا نحجر عليهم آراءهم، فنرجوهم أن لا يحجروا على فقهاء وعلماء المسلمين اجتهاداتهم وآراءهم ولا يبدعوا متبعيهم بإحسان إن شاء الله تعالى.
آراء العلماء وأدلتهم في مسألة وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت:
وها أنا ذا أعرض بين أيدي القراء الكرام آراء العلماء والفقهاء في هذه المسألة فأقول: اختلف العلماء في وصول ثواب القرآن للميت إلى فريقين، الفريق الأول: جمهور السلف والأئمة الثلاثة ( أبو حنيفة([2]) ومالك([3]) وأحمد([4])، وكثير من فقهاء الشافعية) قالوا بوصول ثواب قراءة القرآن للمتوفى.
الفريق الثاني: ما نقله المغني عن إمامنا الشافعي([5]) الذي قال بأن الإمام الشافعي يرى عدم وصول ثواب القراءة للميت، إلا أن كثيرا من فقهاء الشافعية خالفوه وقالوا بوصول ثواب القراءة للميت.
فلنستعرض أولا أقوال الفقهاء من المذاهب الأربعة لنرى رأيهم وأدلتهم من الكتاب والسنة في وصول ثواب القراءة للمتوفى، أقول وبالله التوفيق:
السادة الحنفية
قال صاحب الوقاية من فقهاء الحنفية: وفـي «الهداية»: مذهب أهل السنة والـجماعة أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره: صلاة. أو صوماً، أو صدقة، أو غيرها. يعنـي قراءة قرآن، وأذكار، وأدعية. والـمختار: أن يقول القارئ بعد فراغه: اللهم أوصل مثل ثواب ما قرأته إلـى فلان([6]).
السادة المالكية
وقال الدسوقي من المالكية: وذكر ابن فرحون أن جواز الإجارة على قراءة القرآن مبني على وصول ثواب القرآن لمن قرئ لأجله كالميت، ثم استدل على أن الراجح وصول ذلك له بكلام ابن أبي زيد وغيره([7]).
رأي الشافعية
ومن كتب الشافعية في الفقه ما نصه: إذا نوى ثواب القراءة للميت ودعا حصل له ثوابها([8])، وحكى الإمام النووي في شرح مسلم والأذكار وجها أن ثواب القراءة يصل إلى الميت كمذهب الأئمة الثلاثة، واختاره جماعة من الأصحاب منهم ابن الصلاح، والمحب الطبري، وابن أبي الدم، وصاحب الذخائر، وابن أبي عصرون، وعليه عمل الناس وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن([9])، وفي كتاب إعانة الطالبين ما نصه: قوله( لا يصل ثوابها إلى الميت ) ضعيف ( وقوله وقال بعض أصحابنا يصل ) معتمد([10]).
وقال السبكي: الذي دل عليه الخبر بالاستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت وتخفيف ما هو فيه نفعه، إذ ثبت أن الفاتحة لما قصد بها القارئ نفع الملدوغ نفعته، وإذا نفعت الحي بالقصد كان نفع الميت بها أولى([11]).
وقال النووي: ومعلوم أن الميت لا يلحقه ثواب القراءة، ولكي يصل الثواب إلى الميت فإن له طريقين: أحدهما: أن يعقب القراءة بالدعاء للميت لأن الدعاء يلحقه، والدعاء بعد القراءة أقرب إجابة وأكثر بركة.
والثاني: ذكر الشيخ عبد الكريم السالوسي أنه: إن نوى القارىء بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه، وإن قرأ ثم جعل ما حصل من الأجر له – أي للميت - فهذا دعاء بحصول ذلك الأجر للميت فينفع الميت([12]).
رأي الحنابلة
قال البهوتي من الحنابلة في كشاف القناع: ولا تكره القراءة على القبر و لا في المقبرة بل تستحب([13]).،وقال ابن مفلح: ولا تكره القراءة على القبر في أصح الروايتين([14])،،وهذا عام في كتب الفقه الحنبلي([15]).
رأي ابن تيمية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:- (وأما الاستئجار لنفس القراءة -أي قراءة القرآن- والإهداء فلا يصح ذلك .. فلا يجوز إيقاعها إلا على وجه التقرب إلى الله تعالى، وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق لأن الله إنما يقبل من العمل ما أريد به وجهه([16]).
فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يرى عدم صحة القراءة بالاستئجار فقط، ولا يمنع القراءة على الموتى تطوعا.
رأي ابن القيم
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله : ( وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعاً بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج فإن قيل فهذا لم يكن معروفاً في السلف، ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصهم على الخير ولا أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إليه، وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه ولكانوا يفعلونه.
فالجواب أن مورد هذا السؤال إن كان معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار قيل له: ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال، وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات وأن من لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع.
وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقات على من يقرأ ويهدي إلى الموتى ، ولا كانوا يعرفون ذلك ألبتة، ولا كانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم.
ثم يقال لهذا القائل لو كلفت أن تفعل عن واحد من السلف أنه قال اللهم ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت فإن القوم كانوا أحرص شيء على كتمان أعمال البر فلم يكونوا يشهدون على الله بإيصال ثوابها إلى أمواتهم.
فإن قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة قيل: هو صلى الله عليه وسلم لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له، وهذا سأله عن الصيام عنه فأذن له وهذا سأله عن الصدقة فأذن له ، ولم يمنعهم مما سوى ذلك وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر مهما عمل وقربة؟؟ !!..)([17]) .
النتيجة :
نلاحظ مما تقدم اتفاق فقهاء المذاهب الأربعة على وصول ثواب قراءة القرآن للميت، وكذلك ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهم الله تعالى، سواء تمت القراءة من الولد أو من غيره، سواء كانت تطوعا عند البعض أو باستئجار من يقرأ للمتوفى أسوة بالعبادات الأخرى.
[2] - الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن كاوس بن هرمز بن مرزبان، الصحيح أنه ولد سنة ثمانين وقيل: إحدى وستين، وقيل: ثلاث وستين، وأجمعوا على أنه مات سنة خمسين ومائة، طبقات الحنفية:1/26.
[3] - أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي رضي الله عنه، ولد سنة خمس وتسعين من الهجرة ومات سنة تسع وسبعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة. طبقات الفقهاء : 1/53
[4] - أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني أبو عبد الله المروزي الإمام الشهير صاحب المسند والزهد وغير ذلك، ولد ببغداد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، مات ببغداد يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين.طبقات الحفاظ : 1/191-193.
[5] - محمد بن إدريس، أبو عبد الله الشافعي القرشي، سكن مصر، ولد سنة 150هـ، ومات سنة أربع ومائتين، سمع مالك بن انس، حجازي. التاريخ الكبير: 1/42، ترجمة 73.
[7] - حاشية الدسوقي: 4/22، وبلغة السالك: 3/470.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق