السنة أم العترة ؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا يوافي نعمه ويكافئ مزيده ، والصلاة والسلام على خير خلقه ، محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأزواجه أمهات المؤمنين ، وأصحابه الذين آزروه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ، فكانوا من الصادقين والمفلحين فرضي الله عنهم أجمعين وألحقنا بهم في مستقر رحمته غير فاتنين ولا مفتونين ولا ضائعين ولا مضيعين ولا ضالين ولا مضلين ، ولا مغيرين ولا مبدلين آمين آمين آمين أما بعد:
مشكلة البحث : الخلاف بين أهل السنة والإمامية فيما يجب التمسك به :
فقد شغلني الفكر في مسألة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي ) ، وفي الرواية الثانية ( كتاب الله وعترتي ) ولا شك أن أهل السنة والجماعة يميلون إلى الرواية الأولى ، وأن الشيعة يميلون إلى الرواية الثانية ، لذا أخذت على نفسي أن أحقق في شأن الروايتين لأتأكد أيهما أصح سندا والتي توافق كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وكذلك توافق العقل أيضا ، فإن تشريعات الله تعالى من أوامر ونواهي وأنظمة لا تخالف العقل السليم .
وإن من الأمانة العلمية التي سيسائل الله تعالى العلماء عنها يوم القيامة ، أمانة النقل عن الآخرين إلى المتعلمين، كما قال سبحانه وتعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }([1]).
كما قال عليه الصلاة والسلام : ( المجالس بالأمانة ) ([2]). وإن من الأمانة أن يذكر طالب العلم الحقائق التي توصل إليها خلال بحثه سواء كانت له أم عليه ، فمن الحق علينا لتلامذتنا وقرائنا أن نطلعهم على ما عرفنا وعلمنا بصدق وحياد دون تعصب وعناد أو انتصار لمذهب أو ملة أو طائفة ، لأننا مطالبون أن ننصر الله ورسوله والمؤمنين دون أحد سواهم ، وذلك بقصد النجاة والفوز يوم اللقاء .
وفي هذا البحث المتواضع فإنني ركزت على الروايات التي وردت بإحدى الصيغتين ( سنتي أو عترتي ) لأنها الروايات التي يستشهد بها كلا أتباع الطائفتين على صحة مدعاه ومذهبه .
وبالبحث والتنقيب في كتب أصحاب السنن وجدت أن الروايات التي تنص على ( كتاب الله وسنتي ) وروايات ( وعترتي ) ورد في سندهما رجال ضعفاء ومتروكون .
أما الروايات التي وردت بلفظ ( وسنتي ) ففيها من الضعفاء والمتروكين كل من صَالِحُ بنُ مُوْسَى بنِ إسْحَاقِ بنِ طَلْحَةَ بنِ عُبَـيْدِ اللَّه، الطَّلْحِي الكُوْفِي في الرواية الأولى والرابعة ، وعبد الله بن محمّد بن عبد العزيز البَغَويّ في الرواية الثانية وإِسْحَاْقُ بنُ إِبْرَاْهِيْم الحُنَيْني أَبُو يَعْقُوْبَ الـمَدَنِـي ، و كَثِيرُ بنُ عَبْدِ اللَّه بن عَمْروِ بن عَوْفِ بن زَيْدِ بن مِلْحَة اليَشْكُرِيّ المُزَنِي المَدَنِي في الرواية الثالثة ، وفي الرواية الخامسة صالح بن موسى الطلحي الكوفي .
وقد وردت هذه الروايات من طريقين أبوهريرة وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما في كتابي المستدرك للحاكم والسنن الكبرى وسنن الدار قطني .
وأما الروايات التي وردت بلفظ وعترتي فمجموعها سبع روايات ثنتان منها في سنن الترمذي وخمسا في مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى .
وأن الضعفاء والمتروكين في روايات العترة هم زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ الأَنْمَاطِيُّ في الرواية الأولى ، وعَطِيّة بنُ سَعْد بن جُنَادَة العَوْفِي الجَدَلِي القَيْسِي الكُوفِي في الرواية الثانية ، وإسماعيل ابن أبي إسحاق الملائي أبو إسرائيل في الرواية الثالثة، وعطية العوفي في الرابعة والخامسة ، و شَرِيْكُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبِي شَرِيْك النَّخَعِي، أبُو عَبْدِ اللَّهِ الكُوْفِي القَاضِي في السادسة . مما يدل على ضعف هذه الروايات أيضا.
هذه الروايات وردت من ثلاث طرق جابر بن عبد الله وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم ، وبالتالي فهي في حاجة لما يقوي إحداها أو يقويهما معا .
وبالبحث والقراءة والمراجعة واستعراض النصوص من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة ، والجمع بين نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة وجدت أنها ترجح التمسك بالكتاب والسنة ، أما التمسك بالعترة فليس لها ما يرجحها من نص قرآني أو نبوي أو عقلي .
الهدف من البحث : بيان الدعوى الصحيحة :
ومن خلال القراءة للبحث الذي بين يديك سيتبين لك ذلك ، ما الصواب الذي يجب اعتماده ؟ والحق الذي لا محيص عنه ، هذا بالنسبة لطالب العلم الحقيقي أما طالب الهوى فليس داخلا في الخطاب ، ولا يعنيه من البحث شيء، ولا من الحقيقة سطوعها وظهورها .
منهجي في البحث :
وقد ذكرت أولا الأحاديث التي وردت في التمسك بالسنة صراحة ثم الروايات الواردة في التمسك بالعترة الطاهرة ، والتي هي مدار الخلاف بين أهل السنة والجماعة والشيعة ، وقمت بعمل ترجمة للرواة وخصوصا من ورد فيهم المقال بالتضعيف لكي يتبين القارئ مكانة تلك الروايات ، ثم أوردت الأدلة من كتاب الله تعالى على ما يرجح التمسك والاستهداء به من كتاب الله تعالى وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم استأنست بما ورد من روايات أخرى في التمسك بالسنة والسير على هديها لتأكيد أن ما ورد في شأن العترة عليهم السلام والتمسك بهم رحمهم الله تعالى ليس بذلك القوي ولا الموافق للقرآن الكريم ولا للعقل من وجوه .
الأول : فأما المخالفة للنص فهو واضح أن ما ورد من نصوص في التمسك بالعترة مخالف للنصوص الواردة في كتاب الله تعالى الآمرة بطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .
الثاني : مخالفة نصوص العترة الوارد في السنة لما هو أوثق منها ، فبعض الرواة في التمسك بالعترة ضعاف كما سوف أبينه ، أما الروايات الواردة في العمل بالسنة وسنة الخلفاء الراشدين فرواتها ثقات .
الثالث : أن النصوص الواردة في التمسك بالعترة إنما وردت في الدعوة للتمسك بأشخاص لا بسنتهم ولا بهديهم والأشخاص يفنون وينتهون ، أما التمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة فهو الأولى لأنهما باقيان ما بقيت السماوات والأرض ، ولا شك أن الفرق واضح .
الرابع : من الناحية العقلية فإن كثيرا مما ورد في صحاح الشيعة ككتاب الكافي للكليني ومن لا يحضره الفقيه ، وكتاب الاستبصار ، هذه الكتب وغيرها تنسب إلى أئمة أهل البيت أقوالا عظيمة ، تعتبر من المكفرات الموبقات في نار جهنم والعياذ بالله تعالى ، مما لا يمكن أن يكون أولئك الأئمة الأطهار قالوها أو أقروها . فكيف يمكن لنا أن نتمسك بهم ؟ وهذا ما ينسب إليهم مثل إخفاء القرآن الكريم من جهة سيدنا علي رضي الله عنه ، ثم إخفاء بنيه من الأئمة للقرآن الكريم بحجة أن يظهره الغائب .
براءة آل بيت النبوة مما ينسب إليهم:
ولا يخفى ما في نسبة هذا الكلام إلى سيدنا علي والأئمة الأطهار من الاتهام بخيانة الأمانة ، والطعن في حبهم لله تعالى ، وتزييف الدين ، والاقتداء بعمل اليهود والنصارى بكتمان العلم المنهي عنه إذ قال تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران:187) حيث عاب الله تعالى على أهل الكتاب كتمانهم لكتاب الله تعالى المنزل على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام فكتموه ونبذوه وراء ظهورهم فلم يعملوا بما ورد فيه من الأوامر والنواهي والتوجيهات .
الانكار على الذين يكتمون كلام الله ثم يحرفونه
وقد وردت آيات بينات في الإنكار على الذين يكتمون كتاب الله تعالى وأوامره ونواهيه فقال سبحانه وتعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ) (البقرة:159) ، فكل من كتم ما أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم فهو داخل تحت اللعن وقال جل ذكره {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(البقرة:174) والمكتوم المنهي عن كتمانه هنا مطلق كتاب سواء كان القرآن الكريم أو غيره من الكتب السماوية الأخرى . بل متوعدون بأن لا يكلمهم الله يوم القيامة ، ولا يزكي أعمالهم ، ولهم عذاب أليم .
ووصف أهل الكتاب ثالثة بأنهم يسمعون كلام الله تعالى ثم يحرفونه عن مواضعه {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة:75) .
ووصف الذين يكتمون الشهادة بأنهم أظلم الخلق أي أشد الناس ظلما بفعلته تلك فقال تعالى : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}(البقرة: من الآية140) وفي هذه الآية يبين الله جل جلاله أنه لا أظلم وهي صيغة مبالغة على أن من كتم الشهادة ليسا ظالما فحسب بل هو أشد ظلما لله تعالى ولدينه ولنبيه عليه الصلاة والسلام . فما هو حال أهل البيت حينما ينسب إليهم أنهم أخفوا كتاب الله تعالى عن خلقه من شيعتهم ومن غير شيعتهم ؟؟ .
وقال جل جلاله أيضا {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)(البقرة: من الآية283) وفي هذه الآية نهي عن كتمان الشهادة مطلقا ، وإظهار كتاب الله تعالى شهادة على أنه كتاب الله تعالى ، وأن ما في أيدي الناس اليوم ليس كذلك ، وذلك من كتمان الشهادة المنهي عنه .
وإذا كان الكتمان ممنوع وظلم وملعنو صاحبه ومهدد بالعذاب الأليم فكذلك المحرفون لكتاب الله تعالى ، فقال سبحانه وتعالى : { مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ }(النساء: من الآية46) ولعنوا في آية أخرى لهذا السبب فقال جل جلاله : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ }(المائدة: من الآية13) وقال أيضا : { وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } (المائدة: من الآية41)
روايات متناقضة
وما ورد من الروايات المتناقضة التي يرفض بعضها بعضا ويسقط بعضها بعضا ، فمن روايات تدل على أن القرآن محرف ومبدل ، ومن روايات أن عليا رضي الله عنه أخفى القرآن الصحيح الذي جمعه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن روايات تقول أن القرآن الكريم لا يعلم علومه إلا أهل البيت ، فأي قرآن هذا ؟ أهو الذي بين أيدينا ؟ أم القرآن المخفي ؟
والأمثال على ذلك كثيرة لمن يقرأ ويتمعن في كتب الشيعة الإمامية مما يسقط عدالة أئمة أهل البيت المعصومين ، كما ورد في الروايات الصحيحة عندهم في الكتب المشار إليها .
ولذلك كله يثبت أن ما ورد في التمسك بالسنة النبوية الشريفة هو الصواب والصحيح الموافق لكتاب الله تعالى والموافق للعقل أيضا . والله أعلم .
لكن لماذا ظهرت تلك الروايات ( كتاب الله وسنتي ، وكتاب الله وعترتي ) الذي استنتجته من هذه الروايات التي ورد في كل منها ضعفاء أو متروكين أو غير متفق على توثيقهم ، هو أنه بسبب الخلاف السياسي الطائفي في ذلك الوقت ، فقد أظهر أحد الفريقين أحاديثه الدالة على توجهه الطائفي أو السياسي فرد الفريق الآخر عليه ليثبت خلاف ما ادعاه والله أعلم.
القرآن الكريم يرجح اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم
ولا يعني ذلك أنه بسقوط هذه الروايات وتلك أننا لا نجد ما يرجح أحد التوجهين على الآخر ، فإن القرآن الكريم ناطق بأن المطلوب من المسلمين هو اتباع كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في مجمل النصوص القرآنية الآمرة بطاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم . وهذا هو الحق الذي يظهر بعد هذه الدراسة والتمحيص وهو الواجب الاتباع ، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق