أحاديث صحيحة في التمسك بسنة الرسول :
الرواية الأولى :
ورد في مسند الشاميين عن أبي مسلم الكشي ([1]) ثنا أبو عاصم ([2])عن ثور ابن يزيد ([3]) عن خالد ابن معدان ([4])عن عبد الرحمن ابن عمرو السلمي ([5]) عن العرباض ابن سارية قال: « صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله : كأنها موعظة مودع فأوصنا . قال : أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا ، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة».([6]) وقد وردت من عدة طرق .
ويدل الحديث على أن المنار للمسلم عند اختلاف الأمة وتفرق شأنها واختلاف جماعتها هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم وعن آل بيته الطيبين الطاهرين .
ومكان الشاهد في هذه الرواية قوله عليه الصلاة والسلام : (فعليكُمْ بسنَّتِي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجِذِ ) التي وردت من طرق صحاح .
قال المباركفوري: ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صلى الله عليه وسلم من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين ونحوها، فإن الحديث عام لكل خليفة راشد لا يخص الشيخين، ومعلوم من قواعد الشريعة أن ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم.([7])
قوله: عضوا عليها بالنواجذ: أي اجتهدوا على السنة، والزموها واحرصوا عليها كما يلزم العاضّ على الشيء بنواجذه خوفاً من ذهابه وتفلّته، وأنهما الأصلان اللذان لا عدول عنهما ، ولا هدى إلا منهما والعصمة والنـجاة لـمن تـمسك بهما واعتصم بحبلهما ، وهما الفرقان الواضح والبرهان اللائح بـين الـمـحق إذا اقتفـاهما والـمبطل إذ خالفهما فوجوب الرجوع إلـى الكتاب والسنة متعين معلوم من الدين بـالضرورة لكن القرآن يحصل به العلـم القطعي يقـيناً ([8]) .
الرواية الثانية :
روى الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان قلت : يا رسول الله إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه ، فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال : نعم ، قلت هل وراء ذلك الشر خير ؟ قال : نعم ، قلت : فهل وراء ذلك الخير شر ؟ قال : نعم ، قلت : كيف ؟ قال : يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ، قلت : كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع ) ([9]).
مكان الشاهد :
قوله عليه الصلاة السلام ولا يستنون بسنتي ، فقد بين أن هؤلاء الأئمة الذي لا يستنون بسنته صلى الله عليه وسلم هم على غير هدى بل هم في ضلال مبين ، وقد كثروا في هذا الزمان وغلبوا على الأمة ، وأعانهم أهل الكفر والحقد على هذه الملة الحنفية السمحة . وبالتالي فإن الواجب هو اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم دون سنة من سواه ، إلا ما كان من سنن حسنة يسنها الصالحون من عباد الله كسنة عمر رضي الله عنه في جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح . وسنن الجمعيات والمؤسسات الخيرية والإسلامية ، وإقامة المستشفيات ودور العجزة ونحوها ، فإنها من السنن الحسنة إن شاء الله تعالى .
الرواية الثالثة : التحذير من إمارة السفاء :
روى ابن حبان في صحيحه ([10]) والحاكم في مستدركه([11]) وأحمد في مسنده ([12]) عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة : ( يا كعب بن عجرة : أعاذنا الله من إمارة السفهاء ! قالوا : يا رسول الله وما إمارة السفهاء ؟ قال : أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي ، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ، ولا يردوا علي حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهم مني وأنا منهم، وسيردون علي حوضي ، يا كعب بن عجرة : الصوم جنة ، والصدقة تطفيء الخطيئة ، والصلاة برهان أو قال قربان ، يا كعب بن عجرة : الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها) قال الهيثمي: رواه أحمد والبزار ورجالهما رجال الصحيح([13]).
مكان الشاهد:
مكان الشاهد وصفه صلى الله عليه وسلم للأئمة الذين لا يهتدون بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعملون بسنته بأنهم سفهاء ، وأخبر بأنهم لا يردون على حوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، الذي إذ شرب منه مؤمن لم يضمأ بعدها أبدا .
الرواية الرابعة : سنة رسول الله أحق أن تتبع :
روى مسلم في صحيحه أن رجلا سأل ابن عمر رضي الله عنهما أطوف بالبيت وقد أحرمت بالحج ؟ فقال : وما يمنعك ؟ قال : اني رأيت ابن فلان يكرهه وأنت أحب إلينا منه ، رأيناه قد فتنته الدنيا ، فقال: وأينا أو أيكم لم تفتنه الدنيا ؟ ثم قال : رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فسنة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع من سنة فلان) ([14]).
المستفاد من هذه الرواية
ويستفاد من هذه الرواية ما أكده الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من سنة المصطفى عليها لصلاة والسلام هي الأولى بالاتباع . ولا يتعارض هذا القول من العمل بالسنة الحسنة في ما لم ينزل فيه تشريع أو حكم واجب الاتباع فيظل سنة حسنة كما قلت سابقا .
الرواية الخامسة :
عن عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ثم إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل إن الدين بدأ غريبا ويرجع غريبا فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي) ([15]). قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
الرواية السادسة :
عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر ، فقال بعضهم : لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أنام على فراش . فحمد الله وأثنى عليه فقال : ( ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ، لكني أصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ([16]).
دلالة الرواية :
ويستدل منه هذه الرواية أن من لم يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم فليس سبحانه وتعالى لعباده سواء كان في الأمور الدنيوية أو الأخروية كالعبادات والمعاملات والأخلاق .
قال ابن حجر : قوله فمن رغب عن سنتي فليس مني المراد بالسنة الطريقة لا التي تقابل الفرض ... والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني ، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى ، وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التمزموه ، وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم الحنيفية السمحة فيفطر ليتقوى على الصوم وينام ليتقوى على القيام ويتزوج لكسر الشهوة واعفاف النفس وتكثير النسل ، ومعنى فليس مني أي على طريقتي ولا يلزم أن يخرج عن الملة وأن كان اعراضا وتنطعا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله فمعنى فليس مني ليس على ملتي لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر ([17]).
الرواية السابعة:
عن كثير بن عبد الله هو بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحرث اعلم قال ثم ما أعلم يا رسول الله قال : (اعلم يا بلال ، قال ما أعلم يا رسول الله ؟ قال : أنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا) ([18]) قال أبو عيسى هذا حديث حسن .
وقد دل الحديث الشريف على أن إحياء السنة النبوية الشريفة ليس أمرا لا معنى له أو لا قيمة له مهما كانت هذه السنة ، سواء في العبادات ، أو المعاملات ، أو الأخلاق ، أو في العاديات من الأمور ، بل ذلك إحياء للمنهج النبوي الذي هو المنهج الإلهي الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لعباده .
الرواية الثامنة :
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قا( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ! قالوا يا رسول الله : ومن يأبى ؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) ([19]).
وقد دل الحديث الصحيح على أن دخول الجنة مرهون باتباع سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام لأنها المنهج الذي يوافق التشريع السماوي الإلهي . ومن خالف سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام فهو رافض لها متبع لغيرها ، وبالتالي فهو ليس من أهل الجنة .
الخــــاتـــمــــة
والذي ننتهي إليه بعد استعراض النصوص الواردة على التمسك بالعترة أو السنة نجد أن الأدلة من الكتاب والسنة تؤيد وتؤكد التمسك بالسنة واتباعها وهو سبيل النجاة ، أما التمسك بالعترة فلا يمكن الأخذ بها لأنها تطلب التمسك بأشخاص ، والأشخاص قد ماتوا ، خصوصا وأن كتب الإمامية فيها من الروايات التي تنسبها إلى العترة الطيبة - وهؤلاء الأئمة من هذه الروايات براء - هي من أقبح القبائح ، بالإضافة أن كتب الحديث الشيعية غير منقحة ولا مصححة حتى يعتمد عليها ومعظمها روايات منسوبة إلى الأئمة الأطهار عليهم رحمة الله تعالى ورضوانه . فهل المطلوب اتباع الأئمة أم اتباع سنتهم ومنهجهم ؟ فإن كان المطلوب اتباعهم فإنهم قد انتقلوا إلى رحمة ربهم ، وإن كان المراد اتباع ما نقل إلينا عنهم ، فكثير مما نقل مخالف لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
ومن ذلك القول بتحريف القرآن الكريم فقد جمع بعض مشايخهم الطبرسي في كتابه ( فصل الخطاب ) ما يزيد على ألفي رواية عن أئمة أهل البيت بأن القرآن محرف ومغير وبدل وزيد فيه وأنقص منه . وهذه وحدها طامة كبرى لا علاج لها .
كما نقلوا عن أئمتهم في كتبهم شركيات واضحة لا يمكن قبولها كما ورد عن الإمام محمد الباقر بأن الأئمة : وجه الله وعينه ويده المبسوطة في خلقه ، كما رواه الكليني في أصول الكافي ص 83 وهو من أصح كتبهم كما يزعمون ، وأن عليا رضي الله عنه قسيم الله بين الجنة والنار ، وأنه عنده علم المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب ، كما ذكره الكليني في أصوله : ص : 117 ، وأن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم شيء ، ص 160 ، 170 ، وانظر صفحات 158 ، 193 ،وغيرها مما ينسب لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما يخالف نصوص الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة من الروايات الدالة على الشرك بالله سبحانه وتعالى . فهناك أمور كثيرة تنسب إلى أئمة أهل البيت الكرام مما يتعارض مع كتاب الله تعالى ومع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فهل في هذا يجوز اتباعهم والسير على منهجهم .
فإذا ثبت عدم إمكانية اتباعهم كأشخاص لأنهم قد ماتوا واستراحوا ، وهم في جنات نعيم ، بإذن ربهم ينعمون ويكرمون ، وعدم إمكانية اتباع ما نسب إليهم من مقولات عظائم تخالف كتاب الله تعالى وتخالف سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وتخالف الدليل العقلي ، فعندئذ يتأكد لنا أن المأمور اتباعه والتمسك به بعد كتاب الله تعالى هو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم الصحيحة التي لا تخالف كتاب الله تعالى ، ولا منهجه ، وعندنا معشر أهل السنة ما ثبت صحيحا عنه صلى الله عليه وسلم ، وقد تم ولله الحمد تنقيحها وتصحيحها ، وإبطال ما ليس منها ببيان الضعيف والسقيم والموضوع منذ آباد الزمن .
وفي الختام أسأل الله تعالى أن يتقبل مني عملي هذا وأن يجعله في ميزان حسناتي ، إنه سميع مجيب . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وأزواجه أمهات المؤمنين ، وعنا معهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين صلاة دائمة أبدية ما تعاقب الليل والنهار ، عدد معلومات الله ومداد كلماته كلما ذكره الذاكرون ، وغفل عن ذكره الغافلون في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله تعالى .آمين آمين آمين .
[1] - عَبْدُ بنُ حُمَيْد بن نَصْر الكَشّي، أبو مُحَمّد، قيل: إن اسمه عَبْد المجيد (ت 249 هـ ) ذكره أبو حاتم بن حِبَّان في كتاب «الثِّقات»:8/401 ، انظر : تهذيب التهذيب :6/402 .
[2] - الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدِ بنِ الضَّحَّاكِ بنِ مُسْلِمِ بنِ الضَّحَّاك الشَّيْبَانِي، أبُو عَاصِمٍ النَّبِيْل البَصْرِي، ( ت 214 هـ) قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة، كثير الحديث، وكان له فقه. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إليٍّ من روح بن عبادة. وقال محمد بن عيسى الزجاج: قال لي أبو عاصم: كل شيء حدثتك حدثوني به، وما دلست قط. وقال ابن سعد: كان ثقة فقيها. وقال عمر بن شبة: والله ما رأيت مثله. وقال ابن خراش: لم ير في يده كتاب قط. انظر اتهذيب التهذيب :4/395
[3] - ثَوْرُ بنُ يَزِيد بن زِيَاد الكَلاَعِي، ويقال: الرَّحَبي، أبو خَالِد الحِمْص ( ت نحو 150هـ ) . قال مـحمد بن عوف، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتـم: صدوق حافظ. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ثور بن يزيد ثقة، انظر تهذيب التهذيب :2/30-31 .
[4] - خَالِدُ بنُ مَعْدَان بن أبـي كُرَيْب الكَلاَعِي، أبو عَبْدِ اللَّه الشَّامِي الـحِمْصِي ( ت نحو 106 هـ ). وقال العجلـي: شامي، تابعي، ثقة. وقال يعقوب بن شيبة، ومـحمد بن سعد، وابن خراش، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبـان فـي «الثقات» وقال: كان من خيار عبـاد الله، انظر تهذيب التهذيب :3/102، الثقات : 4/196 .
[5] - عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَمْروِ بن عبسة السلمي الشامي (ت 110هـ ) تهذيب التهذيب :6/215
[6] - مسند الشاميين : 1/254 ، صحيح ابن حبان :1/ 179 ، وغيرهما . سنن الترمذي : 5/44 .
[7] - تحفة الأحوذي : 3/40،41 .
[8] - انظر فيض القدير شرح لجامع الصغير :4/507 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق