مكانة الصحابة في القرآن الكريم (5)
الآية الخامسة
المهاجرون والأنصار هم المؤمنون حقا :
قال الله تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } (الأنفال:74)
أقوال المفسرين في هذه الآية :
قال الإمام الطبري : يقول تعالى ذكره : {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا} آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه ، ونصروهم ونصروا دين الله ، أولئك هم أهل الإيمان بالله ورسوله حقا ، لا من آمن ولم يهاجر دار الشرك ، وأقام بين أظهر أهل الشرك ، ولم يغز مع المسلمين عدوهم،{ لهم مغفرة } يقول : لهم ستر من الله على ذنوبهم بعفوه لهم عنها ، { ورزق كريم } يقول لهم في الجنة طعم ومشرب هني كريم لا يتغير في أجوافهم ، فيصير نجوا ولكنه يصير رشحا كرشح المسك. تفسير الطبري : 10/57 .
تفسير البيضاوي :
قال البيضاوي في تفسيره: لما قسم المؤمنين ثلاثة أقسام بين أن الكاملين في الإيمان منهم هم الذين حققوا إيمانهم بتحصيل مقتضاه من الهجرة وبذل المال ونصرة الحق ووعد لهم الموعد الكريم فقال لهم مغفرة ورزق كريم لا تبعة له ولا منة فيه ثم ألحق بهم في الأمرين من سيلحق بهم ويتسم بسمتهم 3/124.
وقال الثعالبي في تفسيره : تضمنت الآية تخصيص المهاجرين والأنصار وتشريفهم بهذا الوصف العظيم ، والرزق الكريم هو طعام الجنة كذا ذكر الطبري وغيره قال ابن العربي في أحكامه وإذا كان الإيمان في القلب حقا ، ظهر ذلك في استقامة الأعمال بامتثال الأمر واجتناب المنهي عنه وإذا كان مجازا قصرت الجوارح في الأعمال إذ لم تبلغ قوته إليها . تفسير الثعالبي : 2/113 .
كم مرة وردت المؤمنون حقا :
لم ترد صفة المؤمنين حقا في كتاب الله تعالى إلا مرتين في هذه الآية وفي قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } (الأنفال:2-4 )
لم ترد صفة المؤمنين حقا في كتاب الله تعالى إلا مرتين ، مرة في الآية السابقة في صفة المؤمنين المهاجرين والمؤمنين الأنصار الذين آووا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه ونصروا دينه عليه الصلاة السلام ، ومرة ثانية في بيان صفة المؤمنين عموما بحق وهم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، والذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ، والذين هم على ربه يتوكلون، والذين يقيمون الصلاة ، والذين ينفقون مما رزقهم الله . في هذه الآية .
والناظر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد أنهم اجتمعت فيهم تلك الصفات جميعها ، وزادوا عليها بصبرهم على أذى الكفار من أهل مكة، وصبرهم على مفارقة أهلهم وديارهم وأموالهم ، وهجرتهم أكثر من مرة فمنهم من هاجر مرتين إلى الحبشة ، ثم هاجروا الثالثة إلى المدينة ، وجهادهم في سبيل إعلاء لكلمة الله تعالى ، ونشر راية التوحيد ، كل تلك الأعمال استحقو بها أن يكونوا من المؤمنين حقا ، وأن يكون لهم عند الله مغفرة , وأن يسعدوا بالرزق الكريم يوم يشقى كثير من الناس ممن لا عمل لهم ولا جهاد بالمال أو بالنفس .
فقد بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة صفة من هاجر وجاهد في سبيل الله ، وصفة من آوى ونصر رسول الله وأصحابه ، وصفتهم أنهم أصحاب الإيمان الحقيقي لهم المغفرة والرزق الكريم جزاء ما قدموا من عمل يرضي الله سبحانه وتعالى ، ويرضي رسوله صلى الله عليه وسلم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق