الخميس، 23 يوليو 2015

(الحلقة الثالثة) أدلة القائلين بعدم وصول ثواب القراءة للميت والاجابة عليها


الحلقة الثالثة
أدلة القائلين بعدم وصول ثواب قراءة القرآن الكريم إلى الأموات

الدليل الأول من كتاب الله تعالى

استدل القائلون بعدم وصول ثواب القراءة إلى الميت بقول الله تعالى:{ وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى}([1]).

فقالوا ما عدا الواجب والصدقة والدعاء والاستغفار لا يفعل عن الميت ولا يصل ثوابه إليه.

وأجاب الجمهور القائلون بوصول ثواب قراءة القرآن  عن الآية بأوجه:

 أحدها: إنها منسوخة بقوله تعالى:{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}([2])، فإن الله سبحانه وتعالى أدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء.

الثاني: أن هذه الآية خاصة بقوم إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، لأن الحديث كان واردا في شأنهم، وجاءت هذه الآية في هذا السياق. فأما هذه الأمة فلها ما سعت وما سعي لها، قاله عكرمة.

الثالث: أن المراد بالإنسان هنا الكافر، فأما المؤمن فله ما سعى وسعي له، قاله الربيع بن أنس.

      الرابع: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، أي أن العدل يقتضي أنه ليس للإنسان إلا ما سعى،  وأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما شاء من فضله، قاله الحسين بن فضل.   
 
الخامس: أن اللام في الإنسان بمعنى على أي ليس على الإنسان إلا ما سعى.

الدليل الثاني من السنة

واستدل الشافعي من السنة بقول النبي صلى الله عليه وسلم:( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعوا له)([3]) ولأن نفعه لا يتعدى فاعله فلا يتعدى ثوابه، ذكره صاحب المغني([4]).

الجواب على هذا الاستدلال :
ويرد على هذا الاستدلال بأنه لا حجة له فيه فإنما يدل على انقطاع عمله بانتهاء حياته، فلا دلالة فيه على أنه لا يصله ثواب عمل غيره سواء كان ابنا أو أبا أو أما أو صديقا أو غيره([5]).

الدليل الثالث:
وهو دليل عقلي فإنه لم يثبت في هذا الفعل نص من كتاب أو سنة بجواز ذلك ومشروعيته، أو أثر صحيح بأن الصحابة فعلوه.

 والجواب أولا: قد ورد في معرض بيان رأي ابن القيم رحمه الله تعالى، بالإضافة إلى أن هذا العمل لم يرد فيه نهي حتى يعلم عدم جوازه، وما لم يرد فيه نهي ينظر فيه إلى أصل المشروعية، فهل قراءة القرآن مشروعة أم لا ؟ فإذا كانت قراءة القرآن الكريم مشروعة أساسا فلا شك أن القراءة مشروعة، وإذا فعلها المسلم وأهدى ثوابها لغيره من الأموات فإنه متبرع بما ثبت له من الأجر إلى ذلك المتوفى، وبالتالي فوصول الثواب هذا مقطوع بوصوله إن شاء الله تعالى كما يصل ثواب العبادات الأخرى فلا فرق بين عبادة وأخرى.

ثانيا : أنه ليس بالضرورة أن ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم من الخيرات لا يجوز للمسلمين فعلها، كما أنه ليس بالضرورة أن ما تركه عليه الصلاة  والسلام يجب تركه. إنما الذي يجب فعله ما أمر به صلى الله عليه وسلم، وما يجب تركه هو ما نهى عنه عليه الصلاة السلام، وأما ما تركه فداخل تحت دائرة العفو والاختيار للمسلمين ما لم يعارض نصا من كتاب الله تعالى أو من سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، والدليل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه       وسلم : (إن الله حد حدودا فلا تعتدوها و فرض لكم فرائض فلا تضيعوها و حرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم فأقبلوا ولا تبحثوا فيها) ([6]).
فيستفاد من هذا الحديث أن هناك أمورا بين التحريم والإباحة، فلا تدخل في الأمور المحرمة المنهي عنها، كما لا تدخل في الأمور الواجبة أو المستحبة، إنما هي داخلة تحت الأمور المباحة، والأمور المباحة منها ما يثاب على فعلها إذا كان فيها نفع للناس، ومنها ما لا ثواب على فعلها ولا عقاب كالأكل والشرب والملابس ونحوها.
الخاتمة
وبهذا تتبين لنا أمور:
1.     اتفاق جماهير فقهاء المسلمين على وصول ثواب قراءة القرآن الكريم للموتى.
2.     أن من كان عليه دين من صلاة أو صيام أو حج أو زكاة أو نذر فيجوز لوليه أن يقضي عنه ذلك.
3.     وصول ثواب الصدقة إلى المتوفى سواء كان من ورثته أو من غيرهم.
4.     وجوب قضاء الديون عن الموتى ولو لم يكن من ميراثه، أو من ورثته.
5.            جواز الصلاة من الأحياء عن آبائهم وأمهاتهم تطوعا.
6.     جواز قراءة بعض القرآن على الموتى بعد موتهم مباشرة، كما في قراءة سورة يس.
7.            جواز الاستغفار للميت من إخوانه المسلمين.
8.     جواز قراءة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد وألهاكم التكاثر عند زيارة المقابر وإهداء ثوابها للموتى. وأنه من مر على المقابر وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات.
9.     روي عن أحمد أنه قال: إذا دخلتم المقابر اقرؤوا آية الكرسي وثلاث مرار قل هو الله أحد الإخلاص.
10.   جواز ذبح الأضاحي عن الأحياء والميتين من المسلمين ووصول ثواب ذلك إليهم ولو من غير توصية منهم، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
11.   لا فرق في نقل الثواب بين أن يكون عن حج أو صدقة أو وقف أو دعاء أو قراءة قرآن.
12.   يصح إذا أوصى عند دفنه أن يقرأ عنده شيء من القرآن الكريم أن يفعل له ذلك، ومن أوصى أو لم يوص أن يقرأ له ختمات يوم ثالثه أن يفعل.
13.       جواز الصلاة خلف من يقرأ القرآن على القبور.
14.   وأي قربة فعلها المسلم وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله.
15.   وصول الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة.
16.   أن الله تبارك وتعالى أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إلى الميت ويحجب عنه المثوبة بقراءة القرآن الكريم.
 والله تعالى أعلى وأعلم.
د. أحمد محمود آل محمود
كلية الآداب جامعة البحرين
في26/ربيع الأول/1427هـ الموافق  24/4/2006م



[1] - (النجم:39).
[2] - (الطور:21)
[3] - صحيح مسلم:3/1255
[4] - أنظر المغني : 2/225.
[5] - أنظر المغني : 2/225.
[6] - المستدرك: 4/129 ، ح: 7114. سنن الدار قطني : 4/182،ح : 42.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق