من هم عباد الرحمن وما صفاتهم التي يجب أن يتحلى بها كل مؤمن لينال جنات النعيم ومرضاة رب العالمين إنها تسع صفات ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم في هذه السورة وهناك صفات أخرى:
المعنى الجملي
بعد أن وصف الكافرين بالإعراض عن عبادته، والنفور من طاعته، والسجود له عز اسمه- ذكر هنا أوصاف خلص عباده المؤمنين، وبين ما لهم من فاضل الصفات، وكامل الأخلاق، التي لأجلها استحقوا جزيل الثواب من ربهم، وأكرم لأجلها مثواهم وقد عدّ من ذلك تسع صفات مما تشرئب إليها أعناق العاملين، وتتطلع إليها نفوس الصالحين، الذين يبتغون المثوبة ونيل النعيم كفاء ما اتصفوا من كريم الخلال، وأتوا به من جليل الأعمال.
الإيضاح
وصف الله سبحانه عباده المخلصين الذين استوجبوا المثوبة منه وجازاهم على ذلك الجزاء بصفات تسع:
الأولى: (وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً)
معنى الكلمات :
الهون: الرفق واللين والمراد أنهم يمشون فى سكينة ووقار، ولا يضربون بأقدامهم أشرا وبطرا.
الجاهلون: أي السفهاء،
سلاما: أي سلام توديع ومتاركة لا سلام تحية كقول إبراهيم لأبيه: «سَلامٌ عَلَيْكَ».
أي وعباد الله الذين حق لهم الجزاء والمثوبة من ربهم هم الذين يمشون فى سكينة ووقار، لا يضربون بأقدامهم كبرا، ولا يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا.
روي أن عمر رضى الله عنه رأى غلاما يتبختر فى مشيته فقال: إن البخترة مشية تكره إلا فى سبيل الله، وقد مدح الله أقواما فقال: (وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) فاقصد فى مشيتك.
وقال ابن عباس: هم المؤمنون الذين يمشون علماء حلماء ذوى وقار وعفة.
وفى الحديث إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البرّ ليس فى الإيضاع»يعني(السير السريع)
وفى صفته صلى الله عليه وسلم: إنه كان إذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا، ويمشى هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب.
(التقلع: رفع الرجل بقوة،
والتكفؤ: الميل إلى سنن القصد،
والهون: الرفق والوقار،
والذريع: الواسع الخطا) أي إنه كان يرفع رجله بسرعة فى مشيه ويمد خطوه خلاف مشية المختال وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة ومن ثم قيل كأنما ينحط من صبب قاله القاضي عياض فى الشفاء.
وخلاصة هذا- إنهم لا يتكبرون ولا يتجبرون ولا يريدون علوّا فى الأرض ولا فسادا.
الصفة الثانية (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) أي وإذا سفه عليهم السفهاء بالقول السيء لم يقابلوهم بمثله، بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إلا خيرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلما.
وعن الحسن البصري: هم حلماء لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا ولم يسفهوا، هذا نهارهم فكيف ليلهم؟ خير ليل، صفّوا أقدامهم، وأجروا دموعهم، يطلبون إلى الله جل ثناؤه فكاك رقابهم.
قال ابن العربي: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين ولا نهوا عن ذلك بل أمروا بالصفح والهجر الجميل، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقف على أندية المشركين ويحييهم ويدانيهم ولا يداهنهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق