الأربعاء، 9 ديسمبر 2015

الحلقة السابعة والأخيرة من المحكم والمتشابه في القرآن الكريم

الحلقة الاخيرة من المحكم والمتشابه في القرآن الكريم

آراء العلماء في الوجه

ويستحسن  أن نعرف المراد بالوجه في اللغة ، كما تعرفنا على اليد والعين  والاستواء  لأن القرآن الكريم عربي ونزل باللغة العربية التي يعرفها أهل العربية  قال صاحب القاموس : الوجه مُسْتَقْبَلُ كلِّ شيءٍ جمع : أوْجُهٌ ووُجُوهٌ وأُجُوهٌ، ونَفْسُ الشيءِ، وأول الدهر، و من النَّجْمِ: ما بَدا لَكَ منه، و من الكَلامِ: السَّبيلُ المَقْصُودُ، وسَيِّدُ القَوْمِ.

وكذلك اختلف أهل العلم من المفسرين في الوجه كما اختلفوا في اليد والأيدي والعين والأعين والاستواء .

فقال القرطبي :  فـي تأويـل قوله تعالى:
{ وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}([1])

اختلف الناس في تأويل الوجه المضاف إلى الله تعالى في القرآن والسُّنة؛ فقال الحُذّاق: ذلك راجع إلى الوجود، والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام، إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد وأجلّها قدراً. وقال ابن فورك([2]): قد تُذكر صفة الشيء والمراد بها الموصوف توسُّعاً؛ كما يقول القائل: رأيت عِلم فلان اليوم، ونظرت إلى علمه؛ إنما يريد بذلك رأيت العالم ونظرت إلى العالم؛ كذلك إذا ذُكر الوجه هنا، والمراد من له الوجه، أي الوجود. وعلى هذا يتأوّل قوله تعالى:  { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ } ([3]) لأن المراد به: لله الذي له الوجه؛ وكذلك قوله:  { إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى } ([4]) أي الذي له الوجه. قال ابن عباس: الوجه عبارة عنه عز وجلّ؛ كما قال:  { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ } ([5]).

 وقال بعض الأئمة: تلك صفة ثابتة بالسمع زائدةٌ على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى. قال ابن عطية: وضعّف أبو المعالي هذا القول، وهو كذلك ضعيف؛ وإنما المراد وجوده. وقيل: المراد بالوجه هنا الجهة التي وُجِّهنا إليها أي القبلة. وقيل: الوجه القصد؛ كما قال الشاعر:
   أستغفر الله ذنباً لستُ مُحْصِيَه              رَبِّ العباد إليه الوَجْهُ والعَمَلُ 
  وقيل: المعنى فَثمّ رضا الله وثوابه كما قال:  { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ } أي لرضائه وطلب ثوابه؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: « من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة »([6]). وقوله: « يُجاء يوم القيامة بصحف مُختمة فتُنصب بين يدي الله تعالى فيقول عز وجل لملائكته ألقوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزّتك يا ربّنا ما رأينا إلا خيراً وهو أعلم فيقول إن هذا كان لغير وجهي ولا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي »([7]) أي خالصاً لي؛. وقيل: المراد فَثمّ لله؛ والوجه صلة؛ وهو كقوله: « وَهُوَ مَعَكُمْ»..([8])  


قال القرطبي في تفسير قوله تعالى : { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ }([9]) أي ويبقى الله؛ فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه .

  وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا: ابن فورك([10]) وأبو المعالي([11]) وغيرهم. وقال ابن عباس: الوجه عبارة عنه ، كما قال: { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ } وقال أبو المعالي: وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجود الباري تعالى، وهو الذي ارتضاه شيخنا. ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ } والموصف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى.([12]) .

الخلاصة : ان المفسرين من السلف عليهم رحمة الله تعالى أولوا المراد بالوجه الوارد في كتاب الله تعالى على ما يلي :
1 - وجود الخالق جل جلاله . وهو قول ابن عباس وابن فورك .
2 - وقيل: المراد بالوجه هنا الجهة أي القبلة.
3 - وقيل: الوجه القصد؛
4 - وقيل: المعنى فَثمّ رضا الله وثوابه . وكل هذه المعاني تحتملها نصوص القرآن الكريم .

وإلى هنا أخي المسلم وأختي المسلمة نصل إلى نهاية المطاف في بحثنا هذا في آيات الصفات  بأنها من المتشابه التي يجب الإيمان بها كما جاءت ، دون البحث في كيفيتها للأمور الآتية :
لأن هذه الآيات من المتشابهات التي اختص الله سبحانه وتعالى نفسه بها .
وهي كذلك غيب لا يعلمه إلا الله تعالى .
وأن الخوض في هذه المسائل لسنا مطالبون به فليست هي من أركان الاسلام ولا من أركان الإيمان بل يجب التسليم بها كما جاءت .
أن هذا منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعامة سلف الأمة الإسلامية من  الصحابة الكرام ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أن التأويل جائز لهذه المعاني وذلك لأنه أقرب إلى تنزيه الخالق سبحانه وتعالى من تشبيهه بخلقه قال الله تعالى : {  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ }([13])
1-  أن هذا منهج الراسخين في العلم الذين امتدحهم الله تعالى جل جلاله في كتابه في قوله تعالى : { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }([14]) والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين اللهم آمين اللهم آمين اللهم آمين.







[1]  - البقرة /  .115
[2] -  القباب     الامام الكبير المقرئ مسند أصبهان أبو بكر عبد الله بن محمد بن محمد بن فورك بن عطاء الاصبهاني القباب وهو الذي يعمل القبة يعني المحارة  عاش نحوا من مئة  توفي في ذي العقدة سنة سبعين وثلاثمائة وما اعلم به بأس.سير أعلام النبلاء : 16/258 .
[3] - الانسان /9 .
[4] - الأعلى / 20 .
[5] - الرحمن 30 .
[6] - الفتح الكبير 3/166  .. مسند الحارث : 1/ 250، ح : 125 .
[7]  - سنن الدار قطني  :1/51 . قال في الترغيب والترهيب . رواه البزار والطبراني بإسنادين، رواة أحدهما رواة الصحيح، والبيهقي.1/37-38 .
[8]  - تفسير القرطبي سورة البقرة آية / 115 ، : 2/84 .
[9]  - الرحمن / 27
[10]  -  أبو بكر عبد الله ابن محمد ابن محمد ابن فورك القباب ، سير أعلام النبلاء :16/257 .
[11]  - الـجُوَينـي، الإمامُ الكبـيرُ، شيخُ الإسلامِ، أبو عمران، موسى بنُ العَبَّـاسِ، الـخُرَاسَانـي  الـجُوَيْنـيُّ، الـحافظُ. أنظر سيري أعلام النبلاء :9/699
[12]  - انظر تفسير القرطبي سورة الرحمن آية 27 ، : 17/ 165.
[13] -  الشورى /11
[14] - آل عمران / 7 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق