الأحد، 6 ديسمبر 2015

المراد بالعين والأعين الحلقة الخامسة

الحلقة الخامسة من المحكم والمتشابه في القرآن الكريم

آراء العلماء في المراد بالعين والأعين :

وقبل أن نستعرض آراء العلماء والمفسرين في معنى العين نبين معانيها في اللغة

العين في اللغة :
العَيْنُ حاسة الرُؤية وهي مُؤنثة وجمعها أعْيُنٌ وعُيُونٌ وأعْيَانٌ وتصغيرها عُيَيْنَة والعَينُ أيضا عين الماء وعين الرُّكبة ولكل ركبة عينان وهما نقرتان في مقدمهما عند الساق والعين عين الشمس والعين الدينار والعين المال الناضُّ والعين الديدبان والجاسوس وعين الشيء خياره وعين الشيء نفسه .

قال في تهذيب الأسماء واللغات في معنى عين: لفظة العين مشتركة في أشياء كثيرة جمعها أو أكثرها شيخنا جمال الدين بن مالك رضي الله تعالى عنه في كتابه المثلث مختصرة  قال: العين حاسة النظر ، ومنبع الماء ، والجاسوس ، والسحابة القبيلة ، ومطر لا يقلع أياماً ، وعوج في الميزان ، والإصابة بالعين ، والمعاينة والدينار ، والشيء الحاضر ، وخيار الشيء ، وذاته ، وسيد القوم ، ونقرة في جانب الركبة أو مقدمها ، ولغة في العين وهم أهل الدار واحد الأعيان وهم الإخوة لأب وأم ، وعين الشمس ، وعين القبلة معروفتان.([1])

ولننتقل الآن إلى أقوال المفسرين في المراد بالعين ،  والتأويل الذي حصل عند العلماء من السلف في اليد واليدين والأيدي هو ذاته الذي حصل في تفسير العين والأعين الوارد في قوله تعالى : { ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْني } ([2]) وقوله تعالى : { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } ([3]).

قال الجلالان في تفسير قوله تعالى : { ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْني }  تربى على رعايتي وحفظي لك([4]).

وقال القرطبي : { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } قال ابن عباس: يريد إن ذلك بعيني  وقيل: { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } أي تُربَّى وتُغذى على مرأى مني؛ قاله قتادة. قال النحاس: وذلك معروف في اللغة؛ يقال: صنعت الفرس وأصنعته إذا أحسنتَ القيام عليه.([5])

وقال ابن كثير في تفسيره : { ولتصنع على عيني} قال أبو عمران الجوني([6]): تربى بعين الله وقال قتادة: تغذى على عيني. وقال معمر بن المثنى ([7])  { ولتصنع على عيني} بحيث أرى، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم([8]): يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف، وغذاؤه عندهم غذاء الملك فتلك الصنعة.([9])

فنلاحظ هنا اتفاق أهل العلم من السلف أنه ليس المراد العين الباصرة ، بل المراد بالعين هو الحفظ والرعاية ، أو المراقبة .

ولو قلنا بأن المراد العين الباصرة فكيف تكون التربية حينئذ ، ولو حملت على المعنى الحقيقي لكان إشكالا حقيقيا فكان لابد من التأويل حتى يكون المعنى صحيحا لغة ومعنى ومقبولا عقلا .

فالخلاصة أن الذين أولوا المراد بالعين هم سلف الأمة وهو قول ابن عباس وقتادة  وأبو عمران الجوني ومعمر بن المثنى وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .


آراء العلماء في المراد بالأعين:

ومثل ذلك الاشتباه في قوله تعالى : { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ }([10])

قال الطبري  وقوله: { تَجْرِي بأعْيُنِنا } ، أي: تجري السفينة التي حملنا نوحا فيها بمرأى منا ومنظر. واستشهد بما ذكر عن سفيان([11]) في تأويل  قوله تعالى :{ تَجْرِي بأعْيُنِنا } أي: بأمرنا جَزاءً لِمنْ كَان كُفِر. ([12])

وقال القرطبي : { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } أي بمرأىً منَّا. وقيل: بأمرنا. وقيل: بحفظ منّا وكِلاَءة. ومنه قول الناس للمودَّع: عين الله عليك؛ أي حفظه وكِلاءته. وقيل: بِوَحينا. وقيل: أي بالأعين النابعة من الأرض. وقيل: بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها، وكل ما خلق الله تعالى يمكن أن يضاف إليه. وقيل: أي تجرى بأوليائنا.([13])

ومثل ذلك قالوا في تفسير  قوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا }([14])
فقال الطبري : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ يا محمد الذي حكم به عليك، وامض لأمره ونهيه، وبلِّغ رسالاته فإنَّكَ بأَعْيُنِنا أي: فإنك بمرأى منا نراك ونرى عملك، ونحن نحوطك ونحفظك، فلا يصل إليك من أرادك بسوء من المشركين.([15])

لاحظ اتفاق المفسرين هنا أيضا على أنه ليس المراد بالعين الباصرة بل المراد ما سبق ذكرة في معنى العين فأولوها :
1 - بمعنى بمرأىً منَّا.
2 - بأمرنا.
3 - بحفظ منّا وكِلاَءة
4 -  بِوَحينا.
5 -  أي بالأعين النابعة من الأرض.
6 -  بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها
7 -  بأوليائنا

لاحظ الإشكال والاشتباه  فمرة ذكر سبحانه وتعالى عينا ومرة ذكر أعينا ،  فإذا قلنا أن المراد هي العين  الحقيقية فكم عينا للخالق جل جلاله وبالتالي نقع في التشبيه والمماثلة المنفية عن الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى: 11] كما نقع في الحرج فمثل هذه الآيات يجب أن نؤمن بها ، ولو وكلنا أمر المراد بها إلى الله جل جلاله فذلك دأب الراسخين من العلم من سلف الأمة، لأننا غير مطالبين شرعا بالبحث فيها لأنها من الأمور الغيبية  ، ولو اتبعنا التأويل فقد أول السلف من علماء الأمة ومن زعم أن لله تعالى عينا وأعينا فقد شبه الخالق بالمخلوقين  كما هو مذهب المشبهة والله أعلم



[1] - انظر تهذيب الأسماء واللغات :3/235 . 
[2]  - طه / 39
[3] - هود / 27
[4]  - تفسير الجلالين :1/408  .
[5] - تفسير القرطبي : 11/197 .
[6] -  عَبْدُ المَلِك بنُ حَبِـيب  الأَزْدِي، ويقال:  الكنْدِي، أبو عِمْرَان الجونِيّ البَصْرِي، تهذيب التهذيب : 6/346.
[7]  - أبو عبيدة معمر ابن المثنى التيمى البصري اللغوي الحافظ صاحب التصانيف . تذكرة الحفاظ : 1/371 .
[8]  - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم،  ضعيف، من الثامنة، مات سنة  اثنتين وثمانين. تقريب التهذيب : 1/340 .
[9] - تفسير القرآن العظيم :3/149.
[10] - القمر /14 .
[11]  - سفيان الثوري سبق ترجمته  .
[12]  - تفسير الطبري: 27/94 .
[13] - القرطبي : 17/133 .
[14] - الطور / 48 .
[15] - تفسير الطبري :27/37 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق