الحلقة السادسة من المحكم والمتشابه في القرآن الكريم
آراء علماء أهل اللغة في الاستواء
ومما ورد في معاني الاستواء في اللغة ما ذكره صاحب القاموس قال واسْتَوَى: اعْتَدَلَ، وـ الرَّجُلُ: بَلَغَ أَشُدَّهُ، أو أرْبَعينَ سَنَةً، وإلى السماءِ صَعِدَ، أو عَمَدَ، أو قَصَدَ، أو أقْبَلَ عليها، أوِ اسْتَوْلَى.([1])
وقد ورد الاستواء في القرآن الكريم في عدة آيات ، منها :
الإستواء على العرش
الإستواء إلى السماء
فما معنى الاستواء عند علماء التفسير؟
قال أبو جعفر: الاستواء فـي كلام العرب منصرف علـى وجوه: منها انتهاء شبـاب الرجل وقوّته، فـيقال إذا صار كذلك: قد استوى الرجل، ومنها : استقامة ما كان فـيه أَوَدٌ من الأمور والأسبـاب، يقال منه: استوى لفلان أمره: إذا استقام له بعد أود.
ومنها : الإقبـال علـى الشيء بـالفعل، كما يقال: استوى فلان علـى فلان بـما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إلـيه. ومنها : الاحتـياز والاستـيلاء كقولهم: استوى فلان علـى الـمـملكة، بـمعنى احتوى علـيها وحازها. ومنها : العلوّ والارتفـاع، كقول القائل: استوى فلان علـى سريره، يعنـي به علوّه علـيه.
وأولـى الـمعانـي بقول الله جل ثناؤه: ثُمَّ اسْتَوَى إلـى السماءِ فَسَوَّاهُنْ علا علـيهنّ وارتفع فدبرهن بقدرته وخـلقهنّ سبع سموات.([2])
ثم قال أبو جعفر: اختلف فـي تأويـل قوله: { ثُمَّ اسْتَوَى إلـى السَّماءِ } فقال بعضهم: معنى استوى إلـى السماء، أقبل علـيها.
وقال بعضهم: لـم يكن ذلك من الله جل ذكره بتـحوّل، ولكنه بـمعنى فعله، كما تقول: كان الـخـلـيفة فـي أهل العراق يوالـيهم ثم تـحوّل إلـى الشام، إنـما يريد تـحوّل فعله.
وقال بعضهم: قوله ثُمَّ اسْتَوَى إلـى السَّمَاءِ يعنـي: به استوت . وقال بعضهم: ثُمَّ اسْتَوَى إلـى السَّماءِ: عمد إلـيها وقال بعضهم: الاستواء: هو العلوّ، والعلوّ: هو الارتفـاع. ومـمن قال ذلك الربـيع بن أنس.([3])
ويقول القرطبي في تفسير قوله تعالى { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }([4]).
المسألة الخامسة: قوله تعالى: { ثُمَّ اسْتَوَى} «ثم» لترتيب الإخبار لا لترتيب الأمر في نفسه. والاستواء في اللغة: الارتفاع والعلوّ على الشيء؛ قال الله تعالى: { فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ } ([5])، وقال { لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهِ } ([6])، وقال الشاعر:
فأوردتهم ماء بفَيْفاء قَفرة وقد حلّق النجم اليمانيّ فاستوى
أي ارتفع وعلا، واستوت الشمس على رأسي واستوت الطير على قِمّة رأسي، بمعنى علا.
وهذه الآية من المشكلات، والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه، قال بعضهم: نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها؛ وذهب إليه كثير من الأئمة، وهذا كما روي عن مالك([7]) رحمه الله أن رجلاً سأله عن قوله تعالى: { الرَّحْمَـنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ([8]) قال مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سَوْء! أخرجوه. وقال بعضهم: نقرؤها ونفسّرها على ما يحتمله ظاهر اللغة. وهذا قول المشبّهة. وقال بعضهم: نقرؤها ونتأوّلها ونُحيل حَمْلها على ظاهرها.
ثم قال : وقد قال ابن عباس: ثم استوى إلى السماء صعِد. وهذا كقولك: كان قاعداً فاستوى قائماً، وكان قائماً فاستوى قاعداً؛ وكل ذلك في كلام العرب جائز. وقال البيهقي([9]): قوله: «استوى» بمعنى أقبل صحيح، لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء؛ والقصد هو الإرادة، وذلك جائز في صفات الله تعالى.([10])
لا حظ في تفسير الآية الكريمة أن علماء السلف أولوا الاستواء على عدة معاني منها :
1 - علا علـيهنّ وارتفع .
2 - أقبل علـيها.
3 - به استوت
4 - عمد إلـيها .
لكن لم يقل أنه جلس أو قعد لأنها صفة من صفات المخلوقين التي لا يجوز تشبيه الخالق بها ولأنها أمر غيبي لم يطلع عليه أحد . والله أعلم
الاستواء على العرش :
وأما الاستواء على العرش فكذلك اختلف العلماء في المراد به على أقوال منها
قال القرطبي في قوله تعالى: { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ }([11]) هذه مسألة الاستواء؛ وللعلماء فيها كلام وإجراء. والأكثر من المتقدّمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيّز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدّمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين.
وقد كان السلف الأوّل رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافّة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته. قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم ـ يعني في اللغة ـ والكَيْف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها.
قلت: فعلوّ الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علوّ مجده وصفاته وملكوته. أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد، ولا معه من يكون العلوّ مشتركاً بينه وبينه؛ لكنه العليّ بالإطلاق سبحانه. ([12])
[1] - أنظر القاموس المحيط فصل السين ( السواء ) .
[2] - الطبري :1/192 .
[3] - الطبري :1/191 .
[4] - البقرة / 29
[5] - المؤمنون/ 28
[6] - الزخرف/ 13
[7] - الإمام مالك بن أنس ، إمام دار الهجرة .
[8] - طه/ 5
[9] - البَيْهقي، هو الحافظ العلامة، الثَّبْتُ، الفقيهُ، شَيخُ الإسلام، أبو بكر؛ أحمدُ بن الحسين بن علي بن موسى الخخُسْرَوْجِردي، الخراساني. وُلد في سنة أربعٍ وثمانين وثلاثِمائة في شعبان. انظر سير أعلام النبلاء :18/163-164 .
[10] - أنظر تفسير القرطبي:1/255 .
[11] - الأعراف /54 .
[12] - القرطبي - الجامع لأحكام القرآن سورة الأعراف آية 54 :7/219 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق