الاثنين، 19 أكتوبر 2015

المحكم والمتشابه الحلقة الثالثة



حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات

 

   ولقد آن لنا الآن أن نعرف ما ورد في آيات الصفات لله تعالى من أقوال وآراء لنرى هل هي من المحكم أم من المتشابه ؟ .

اختلاف الناس في الوارد من الآيات والأحاديث على ثلاث فرق :

أحدها : أنه لا مدخل للتأويل فيها ، بل تجرى على ظاهرها ، ولا يؤول شيء منها وهم المشبهة .
ثانيها : أن لها تأويلا ولكننا نمسك  عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه والتعطيل ، ونقول لا يعلمه إلا الله ، وهو قول السلف .
ثالثها : أنها مؤولة ، وأولوها على ما يليق  وهو كذلك رأي بعض السلف .

        قال الزركشي : والأول باطل . والأخيران منقولان عن الصحابة . فنقل الإمساك عن أم سلمة وعن الإمام مالك وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، وابن راهويه ، والغزالي .

        قال ابن الصلاح : وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها واختاره أئمة الفقهاء وقادتها ، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين يصدف عنها ويأباها .

        ثم قال الزركشي وممن نقل عنه التأويل علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم . وهو اختيار ابن برهان من الأشعرية .

  قال : وإنما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته لقيام الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى ، والخوض في كل هذه  الأمور خطر عظيم ([1]).

أقوال العلماء والسلف في آيات اليد واليدين والأيدي

ومن المستحسن أن نضرب الأمثلة لما ورد في القرآن الكريم من الآيات الكريمة التي يصدق عليها أنها من المتشابه الذي يجدر بالمسلم أن يؤمن به ويقول كما أمره الله تعالى آمنا به كل من عند ربنا ، ولو أول المعنى كما أول السلف فلا حرج عليه ، ولا يكن من الذين في قلوبهم زيغ والذين يتبعون ما تشابه من الكتاب ، أو من الذين يشبهون الخالق بالمخلوقات كما يفهمون ثم يزعمون أن قولهم هذا من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تجسيم ، وهم من حيث لا يشعرون يزرعون الفتنة بين الناس ، فيسعون في الأرض فسادا بتمزيق وحدة المسلمين وتشتيت صفوفهم ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فيدخلون في مناقشات في المسائل الاعتقادية التي سبق أن اختلف فيها العلماء من السلف ولم يتفقوا على قول واحد ، لكنهم مع ذلك لم يقتل بعضهم بعضا ولم يفسق أحدهم الآخر ولم يبدعه كما يفعل الكثيرون اليوم . ولو وكلوا علمها إلى الله لكان أسلم لهم وللعامة  من الخوض فيما لا علم لهم به وما لم يطالبوا بالبحث فيه لأراحوا واستراحوا . 

فمن تلك الآيات ما يتعلق باليد واليدين والأيدي الواردة في الآيات الكريمة من كتاب الله جل جلاله ، وهذه أقوال أهل العلم أوردها بين يديك .

أقوال العلماء في المراد باليد :

قال الله تعالى:  
{ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً }([2]).

قبل الخوض في آراء المفسرين من علماء السلف في معنى اليد نود الرجوع إلى علماء اللغة العربية لنتعرف على معاني اليد ، قال  صاحب القاموس المحيط  واليَدُ: الجاهُ، والوَقارُ، والحَجْرُ على مَنْ يَسْتَحِقُّهُ، ومَنْعُ الظُّلْمِ، والطَّريقُ، وبِلادُ اليَمَنِ، والقُوَّةُ، والقُدْرَةُ، والسُّلْطانُ، والمِلْكُ، بكسرِ الميمِ، والجَمَاعَةُ، والأكْلُ، والنَّدَمُ، والغِياثُ، والاسْتِلامُ، والذُّلُّ، والنِّعمَةُ، والإحْسانُ تَصْطَنِعُهُ ([3])

أما اليد في هذه الآية فقد اختلف فيها أهل التأويل إلى مذاهب شتى قال القرطبي عليه رحمة الله تعالى  : { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } قيل: يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء، ويده في المِنّة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة.

وقال الكلبيّ([4]): معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البَيعة. وقال ابن كَيْسان:  ([5]) قوّة الله ونصرته فوق قوّتهم ونصرتهم.

وقال الطبري : وفي قوله: ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ) وجهان من التأويل: أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه صلى الله عليه وسلم والآخر: قوّة الله فوق قوّتهم في نُصرة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنهم إنما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نُصرته على العدوّ.

قال الرازي ([6]) قوله تعالى : (( يد الله فوق أيديهم )) يحتمل وجوها ، وذلك أن اليد في الموضعين إما أن تكون بمعنى واحد ، وإما أن تكون بمعنيين ، فإن قلنا إنها بمعنى واحد ففيه وجهان أحدهما : يد الله بمعنى نعمة الله عليهم فوق إحسانهم إلى الله ، وثانيهما : أي نصرته إياهم أقوى وأعلى من نصرتهم إياه .

وأما إن قلنا إنها بمعنيين ، فنقول في حق الله تعالى بمعنى الحفظ ، وفي حق المبايعين بمعنى الجارحة ، واليد كناية عن الحفظ مأخوذ من المتبايعين إذا مد كل واحد منهما يده إلى صاحبه في البيع والشراء وبينهما ثالث متوسط لا يريد أن يتفاسخا العقد من غير إتمام البيع ، فيضع يده على يديهما ، ويحفظ أيديهما إلى أن يتم العقد ولا يترك أحدهما  يد الآخر ، فوضع اليد فوق الأيدي صار سببا للحفظ على البيعة . ([7]) 

قال ابن تيمية : ومعلوم أن يد النبيّ صلى الله عليه وسلم كانت مع أيديهم كانوا يصافحونه ويصفقون على يده في البيعة، فعلم أن يد الله التي فوق أيديهم ليست هي  يد النبيّ صلى الله عليه وسلم ولكن الرسول عبد الله ورسوله فبايعهم عن الله وعاهدهم وعاقدهم عن الله، فالذين بايعوه بايعوا الله الذي أرسله  وأمره ببيعتهم، ألا ترى أن كل من وكل شخصاً بعقد مع الوكيل كان ذلك عقداً مع الموكل ومن وكل نائباً له في معاهدة قوم فعاهدهم عن مستنيبه كانوا معاهدين لمستنيبه، ومن وكل رجلاً في نكاح أو تزوج كان الموكل هو الزوج الذي وقع له العقد؟([8])

فورد تفسير اليد بمعنى :
1-   القوة
2-   وبمعنى النعمة
3-   وبمعنى العطاء
4-   وبمعنى الثواب
5-   وبمعنى الهداية .
6-   وبمعنى النصرة .
7-   وبمعنى الحفظ

وكل هذه التفسيرات ليست خارجة عن علوم اللغة العربية لأن لليد معاني متعدده ذكرها أهل اللغة كما بينا سابقا .

فمما تقدم يتبين لك أن لليد معاني كثيرة ولا تحمل اليد على معنى من هذه المعاني إلا إذا كان السياق يوافق ذلك المعنى ولهذا فإن حملها على القوة أو القدرة والنعمة يوافق اللغة ويوافق العقل أيضا كما يوافق النص القرآني القائل : {  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ }([9]) كذلك الحال فيما سيأتي في معاني الاستواء والعين وغيرها .




[1] - أنظر : الزركشي-  البرهان في علوم القرآن  : 2/78-80
[2] - الفتح /10
[3] - القاموس المحيط - ( اليد ) ب الدال فصل الياء .
[4] -  محمد بن السائب بن بشر الكلبي،  أبو النضر الكوفي، النسابة المفسر، متهم بالكذب ورُمي بالرّفض، من السادسة، مات سنة  ست وأربعين. تقريب التهذيب : 1/479 .
[5]- وَهْبُ بنُ كَيْسَان القُرَشِي، مَوْلَى  آلِ الزُّبَـيْر،  أبو نُعَيْم المَدَنِي المُعَلّم المَكِّيّ وقال  النسائي:  ثقة.  وذكره ابن حبان في «الثقات».  وقال  ابن سعد: قال محمَّد بن عمر: لم يكن له فتوى وكان محدثاً ثقة. انظر : تهذيب التهذيب 11: /146 .
[6] - محمد بن عمر  الرازي صاحب التفسير المسمى مفاتيح الغيب طبقات المحدثين :1/187
[7] - الرازي التفسير الكبير : 28/87 .
[8] - مؤلفات ابن تيمية - الحلول الخاص 6\202
[9] -   الشورى : /11

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق